شذرات حول ثقافة الراهن

blogs ثقافة

تكون الصورة الثقافية الملفقة للعمل الأدبي، دائما محشوة بلحظات الإلهام والصفاء، لحظات مركبة مسبقا ولها غاية محددة، كأي بضاعة مكتملة ومهيّأة للفرجة. هذه الصورة – البضاعة موجّهة ضمنيا لمحاولة تمثل اللحظة الحقيقية لما يعتمل في النتاج الأدبي. والحال أنه في مثل هذه اللحظات نفسها يتمّ العكس. إذ أنّ فعل التصنّع والأسطرة اللامرئي هو الذي يصرّ أن يمضي بطرقه المزيفة إلى فرض المفارقة واصلا بذلك إلى أعلى درجات التهويم.

كل المؤسسات الثقافية اليوم منظمة داخليا، غير قابلة للاختراق، وكاملة العدّة تماما لا ينقصها أي شيء. الدليل على ذلك أنّ كل أولئك الذين كانوا يطمحون فيما مضى إلى التغيير يأملون الآن تسيير مثل هذه المؤسسات بموجب نفس الشروط التي تشترطها، وقيادتها تماما كما هي بكل ما تتضمنه من السلطة والهيبة. صار يحدث هذا كما لو أنه قد قضي على تلك الفكرة القديمة التي تقول: كل مؤسسة كيفما كانت هي قابلة للنقد والتغيير. ثمّ إنه لم يعد يحدث هذا بخلق حجج جديدة ودفعها إلى الواجهة لتبرير هذا الشيء الواقع. لأن فعل التبرير نفسه صار عندهم تافها وغير مجد. وببلوغ هذه النتيجة سيهتمّ الكلّ بدراسة وسائل السيطرة وكيفية استثمارها سريعا داخل القنوات الثقافية، عوض الالتفات إلى وعود الثورة الثقافية وأحلامها وفراديسها.

الثقافة التوسعية المهادنة، تولد عادة من رحم تلك التيارات المفبركة المتفائلة بغد مشمس، والتي لا تتشبث بأهداب المستقبل، إلا لمنفعة خفيّة مبطنة بآمال مثالية مفتعلة، توجه بها قطعان البشر التائهة

في عالم الثقافة المقلوب، يعتبر الدوام اللانهائي لفعل الخلق والإبداع، من البدع الخطيرة التي يجب التصرف بسرعة للحدّ من تأثيراتها قبل أن تجرف معها كل شيء. وبهذا الشكل لم يعد من حقّ المبدع أن يصرّح أنه يملك كامل الصلاحية للعوم بحرية مطلقة ودون قيد، داخل فضاءات الإبداع. لأن أخلاقية مجتمع الاستهلاك المسطح واقتصاد السوق (الموضوعة أساسا للفرجة ومن أجل الفرجة) هي التي صارت تتكفّل جدّيا بمثل هذه الأمور، رغم تدنّي أهمّيتها، بتدبيج قوانين تجارية كابحة وكاسرة لكلّ جموح في الإبداع خارج الإطار المرسوم له سلفا.

على النقد الراديكالي لثقافة اليوم أن يكون شاذّا وغير محتمل بالكامل. عليه أن يعلن (خاصة في وجه من يجدها متينة ورائعة ومؤهلة للبقاء) أنّ قواعد بناءاتنا الرمزية كلّها هشّة و قابلة للعطب، ومن ثم القيام بكشف دقيق عن طبيعتها الحقيقية، حتى تكون عناصر المحاكمة متوفّرة لإشاعتها عند الضرورة

في مرحلة ثقافية يعتقد البعض أنّها أبعد ما تكون عن التأزّم، يصير من الصعب الفصل في القضايا الهامشية لأنّ أدنى شروط الفهم التاريخي لما يقع شبه منعدمة. هنا في دائرة التجاهل كما هو الحال هناك، في هاوية النسيان، لا يتم تحاشي الإشكال إلا من أجل السقوط في أحضان التبلّد..

الاعتقاد في إمكان فهم مراد أي حركة ثقافية بالتعلق فقط بما تظهره لنا علنا وكأنه كشف لنية طيبة سخافة ما بعدها سخافة. علينا أن نقول في خط أسلافنا المزعجين: إن استغلال قوى الجهل فجر للعبودية الجديدة. (العبودية الاختيارية طبعا في أوج تجلياتها).

يحلّ رعب الثقافة بمجرد ما تدخل رأسا إلى عصر الفرجة والابتلاع الاستهلاكي الفارغ. لهذا يبقى الهامش العريض مكانا مناسبا للأشياء الاستثنائية الساخرة التي يستحيل على أي كان استردادها في صيغ سطحية عارضة كما يحاول أن يفعل ذلك، عبثا، بعض المتبرجزين المتحايلين لأسباب غامضة تخصهم.

لدى كل مسؤول عن الثقافة في عالمنا العربي نية مبيتة (مشدودة إلى نوع من التديّن الكهنوتي) في ترك الأعمال الثقافية كما كانت عليه في البداية وكما هي عليه الآن من التعفّن الرمزي. لنبدأ فقط بتمييز هذه الحالة، ثم نتغلغل في تحليل معطيات أخرى. سنجد أنّ وراء كلّ هذا يكمن دافع لا شعوريّ غريب، هو أقرب إلى دافع الموت والتدمير. إنه دافع الفناء في حبّ الجثث والموتى الذي كان يجد لقوته، تأثيرا كبيرا على عادات بعض الطوائف القديمة.

الثقافة الراهنة في حاجة إلى استراتيجيات متعددة محايثة بالمطلق لتجاربها العنيفة متوقعة بحذاقة ما تستهدفه، منشغلة باستمرار باللحظات التاريخية القصوى

الثقافة التوسعية المهادنة، تولد عادة من رحم تلك التيارات المفبركة المتفائلة بغد مشمس، والتي لا تتشبث بأهداب المستقبل، إلا لمنفعة خفيّة مبطنة بآمال مثالية مفتعلة، توجه بها قطعان البشر التائهة.

ليس هناك من مجال للنقد في ثقافة كلّ مناصريها عصريون يدّعون التجديد والحداثة. إلا إذا كان هذا النقد، يعرف كيف يستظلّ بالصبر في انتظار ما سيأتي به المدّ الأسود في عزّ الطوفان اليومي.

سيكون من الواجب الآن، إعلان الحرب على ثقافة الفرجة دفاعا عن دغل مكثف لقدرات معرفية جمالية ملتبسة، راسخة في كتب عظيمة ونادرة، مازالت أطيافها تحوم حولنا. هل سيكون فقط من الواجب؟ بل أكثر، هو مقدر وحتمي. كتب بإشكاليات معقدة ورغم ذلك بسيطة وواضحة؛ زوايا متعددة للنظر مقترنة بأبعاد ومسافات؛ الفصل والوصل فيها خارج التضبيب، خارج العراقيل، خارج الخلط؛ رهاناتها كبيرة ورائعة، متجاوزة لتلك العدمية السوداء مدوخة العقول.

الثقافة الراهنة في حاجة إلى استراتيجيات متعددة محايثة بالمطلق لتجاربها العنيفة متوقعة بحذاقة ما تستهدفه، منشغلة باستمرار باللحظات التاريخية القصوى. أما الثقافة التي لا تفكّر في ذلك بالمرة، فإنها ستصير طبعا، مع مرور الوقت، حظيرة حقيقية للنفايات.

ليست التجارب الثقافية نتائج كارثية تقبر. بل صيرورات متفردة مثيرة دوما للأسئلة. ثم إن المزايدات الثقافية (المقنعة بالزعيق وردود الفعل العقيمة) لا يمكن أن تنتج من جديد، سوى ارتماءات رجعية بئيسة.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان