مرآة القمامة

blogs - صناديق قمامة
يقال إن كنت تريد أن تعرف كيف يعيش شخص ما، انظر إلى قمامته. ليس هذه نظرة وضيعة للأمور، فمن قال هذا الكلام لم يقله بمحض الصدفة. فكلُ بيت لا بد أن تخرج منه قمامة يمكن أن تلفت نظرك بعض الشيء. كأن تجد بقايا وجبة "بروستد" أو "برجر" أو كرتونة البيتزا ومكتوب عليها اسم المطعم وستعلم من حجم الكرتونه كم شخصا تناولها. هل هي صغيرة أم وسط أم كبيرة. وأيضاً هل تناول مع الوجبة مشروبا غازيا أم عصير ليمون أو برتقال! 
يمكننا أن نتعرف عن أطباع الناس من قمامتهم، فنعلم المسرف والذي لا يقدر النعمة إذا وجدنا الكثير من الأرز والدجاج ملقى في كيس شفاف على باب أحدهم. ونعلم كم أن الإنسان ذو إحساس إن وضع قمامته بكيس أسود حتى لا يؤذي الآخرين بمنظر النفايات. وكم أن الشخص نشيط إن أرسل الكيس بنفسه إلى حاوية القمامة ولم ينتظر الحارس خوفاً من رائحة كريهة تزعج الآخرين وتنشر الجراثيم والأمراض.

كان ذلك في الحديث عن الفرد الواحد دون المجتمع. فإن أردنا أن نعرف مجتمعاً؛ نظرنا إلى حاوياته وكيف يتعامل مع أكوام القمامة التي تلقى كل يومٍ في جميع الأوقات. انظر إلى حيك الذي تسكنه أو الطريق الذي تسلكه كل يوم. كم حاوية للنفايات في شارعك وكيف وضعها؟ هل هناك حاوية في كل شارع تخدم أهل الحي؟ هل هي نظيفة؟ هل تمتلئ بسرعة؟ هل تلقى الأكياس بقربها؟ هل تمشي بسرعة عندما تمر بقربها خوفاً من رائحتها الكريهة؟ وكيف يتم التخلص منها؟ هل يوجد عامل نظافة يلبس لباسا مميزا كالبرتقالي مثلاً؟ هل يكنس الغبار المتراكم على طرفي الشارع؟ هل يكثر الناس من رمي أكياس الشبس والبسكوت وعلب الببسي والعصير هنا وهناك؟ هل يجمع العامل النفايات ويحرقها لتصعد سحابة سوداء في سماء الحي؟ هل تأتي سيارة النفايات مخصصة بضغط النفايات؟ هل تقرأ العبارات التالية على سيارة النفايات: "لا تتوقف عن التفكير فقد بدأ التغيير"، "هيا نخفف من النفايات"، "التدوير في كل دار"، "هدفنا… بيئة صحية متكاملة"، "كلنا شركاء في النظافة"، "نعمل من أجل مدينة نظيفة"؟

من التناقض أن نرفع رايات التطور ومواكبة العصر وما زلنا نتخلص من مكبات النفايات بالمحرقة أو تكويمها وتركها من غير معالجة أو إعادة تدوير.والعالم الحديث أصبح يجد في أكوام النفايات كنزاً ثميناً.

إن الناظر إلى حاويات القمامة يعلم تماماً كم تعكس واقع مكاتب البلديات المسؤولة عن النظافة في كل منطقة. فقلة العاملين تعكس التسيب، ورائحة تكدس القمامة في الحاويات يعكس رائحة الرشاوى والمحسوبيات. وقلة الحاويات تعكس حجم السرقات.

إن من جمال الحضارة أن تهذب الإنسان وتنظم أسلوب حياته وتحافظ على نظافة بيئته التي يعيش فيها. أين تذهب الحضارة في بيوتٍ حجرية جميلة وأمامها قمامة ملقاة على طرفي الشارع هنا وهناك! أو سيارات فارهة نلقى من نوافذها أكواب القهوة الكرتونية أو علب وقناني العصير!

إن من التناقض أن نرفع رايات التطور ومواكبة العصر وما زلنا نتخلص من مكبات النفايات بالمحرقة أو تكويمها وتركها من غير معالجة أو إعادة تدوير. إن العالم الحديث أصبح يجد في أكوام النفايات كنزاً ثميناً يمكن إعادة إنتاجه لخدمة المجتمع فهو يقلل الطلب على المواد الخام وتعتبر وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة والتقليل من انتشار الأمراض والأوبئة. كما يمكن توفير فرص عمل في مراكز التدوير للكثير من العاطلين عن العمل، خاصة لمن يبحث بين أكوام النفايات بحثاً عن علب التنك لبيعها. كم نهدر من المواد التي يمكن الاستفادة منها كل عام؟! وكم ننفق أموالاً على العلاجات نتيجة الأمراض التي تنتشر بسبب المخلفات وحرقها؟!

إن أجمل ما يمكن أن تنتجه فكرة إعادة التدوير هي أن نبني ثقافة مجتمع واع.ٍ لتحديات المستقبل ومدركٍ لأهمية تأمين بيئة نظيفة لأجيالنا القادمة. لكن ذلك يحتاج لأكثر من مجرد شعارات من مرشحين لرئاسة مجلس البلدية أو مقالات تكتب على عجلٍ أو ميزانيات دول تنفق من غير تخطيط. فلا يمكن أن نرجو خيراً ممن يبحثون عن مناصب لتملأ جيوبهم من قمامة الشعوب. بل يجب أن نبحث عن خطوات عملية يقودها شبابٌ طموح محبٍ لأهله ووطنه ويدركون حجم وعظم المسؤولية التي تكمن على عاتقهم.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان