مؤمن من آل فرعون

blogs - قرآن في الغرب
تظهر المفارقة في الآية القرآنية: "وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ" أنها جمعت بين ما يظهر أنهما نقيضان، إذ كيف يجتمع أنه من آل فرعون، وهي كتلة بشرية منغلقة تمارس العلو والإفساد، وبين كونه مؤمناً ينبعث منه صوت الضمير واليقظة الأخلاقية، لكنها سنة الله أن يخرج النور من الظلمات وأن يخرج الحي من الميت.  يقول لنا المشهد القرآني إن الإنسان قادر على أن يعبر عن إرادته الحرة وأن ينحاز إلى صوت الضمير على فتنة السلطة وإكراه القوة حتى في أشد التجمعات انغلاقاً وصدوداً عن الحق والهدى. 
يقول لنا المشهد القرآني إن كل منظومة اجتماعية لن تعدم مساحات ظهور أصوات الحق من داخلها، وهذا ينبهنا إلى جدلية التسيير والتخيير في الحياة الإنسانية، فالانتماء إلى مجتمع أو جماعة ليس موقفاً فكرياً حراً، بل هو نتاج عوامل الأسرة والثقافة والمجتمع. إن من أعجب تجليات هذا الكائن الإنساني الجدلي أنه يقتل ويبطش بأخيه الإنسان تحت راية لم يستشر في الوقوف تحتها وفي سبيل شعار لم يفكر قبل الإيمان به، إنما ولد ووجد أبويه قد قررا له دينه ومذهبه تماماً كما قررا له اسمه، ووجد المجتمع قد نسج منظومةً من القيم والأعراف فتحمس لها وقاتل في سبيلها وعادى من يخالفها.

تزعم كل أمة إيمانها بمبادئ العدالة مع عظيم ما تقترفه من انتهاكات، إذ إن رؤية كل جماعة للعدل معجون بذاتيتها واعتباراتها الخاصة، والشحن المتواصل بفضائلها ومساوئ أعدائها.

إن الانتماءات المذهبية والدينية والثقافية مسألة هوية أكثر من كونها مسألة إيمان حر، إن أكثرنا يلعن آل فرعون وبني إسرائيل وكفار قريش، لكن من أين نستمد ثقتنا بأننا كنا سنتخذ موقفاً مختلفاً لو قدر لنا أن ننشأ في ذات الظروف الثقافية والاجتماعية التي نشأوا فيها! كيف تأكدنا أننا نمتلك من الشجاعة ما نستطيع أن نحطم به قيود الآباء والعشيرة والمجتمع التي تتلقانا منذ اليوم الأول لولادتنا، وأن ندع دفء الأبوين والأسرة واحتضان المجتمع إلى غربة الإيمان الفردي المحارَب!

ليس للإنسان حق في أن يفخر بما لم يكن له يد في اختياره، لا فضل لأحدنا بأنه ولد عربياً أو كردياً أو شركسياً، ولم يجاهد أحدنا في أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو بوذياً. إن مساحة الاختبار الحقيقي لإرادة الإنسان تتجلى في أن يتخذ موقفاً معاكساً من المنظومة الثقافية التي ينتمي إليها حين يتبين له الحق والعدل خلاف ما يتبعه قومه وعشيرته الأقربون، أما تفتح الأعين على ظلم الآخرين وفسادهم فكل الناس يحسنونه.

وليس أي أحد قادراً على اكتشاف حياد قومه عن العدل والحق وعلى تبصر المواقف التي تقتضي تمايزاً أخلاقياً، إذ إن تماهي الإنسان مع منظومة جماعته ومجتمعه وثقافته وتغذيته المتواصلة بالرواية السائدة تجاه الذات والآخر يشوش وضوح الرؤية ويطمس صوت الفطرة، ويقلل القدرة على التفريق بين الصواب والخطأ، ولا عجب هنا أن تزعم كل أمة إيمانها بمبادئ العدالة مع عظيم ما تقترفه من انتهاكات، إذ إن رؤية كل جماعة للعدل معجون بذاتيتها واعتباراتها الخاصة، والشحن المتواصل بفضائلها ومساوئ أعدائها، فترى كل جماعة نفسها على الطريقة المثلى، حتى إن فرعون لبس عليه فظن نفسه رافعاً للواء الإصلاح في الأرض: "إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ"، "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ".

بالمعيار القومي، كان موسى عدواً لمؤمن آل فرعون إذ كان هدف موسى خلاص قومه من آل فرعون، لذلك كانت ساحة نضال المؤمن مختلفةً عن ساحة نضال موسى.

إن قوة الضغط الذي تمارسه المنظومات الثقافية على أفرادها ليحد كثيراً من حرية هؤلاء الأفراد وقدرتهم على الانتصار لضمائرهم الحرة، لذلك كانت لحظات انعتاق الأفراد من أسر منظوماتهم، لحظات ثمينةً، وكانت تلك المواقف مواقف مباركةً تستحق أن يسجلها التاريخ على ندرتها، وتستحق أن يفرد لها القرآن مساحةً متميزةً فيسمي سورةً كاملةً باسم "مؤمن" سورة غافر لنقتدي بهدى هذا الرجل الذي يكتم إيمانه لكنه في اللحظة الحرجة التي ألحت عليه حريته فلم يستطع مواصلة الصمت والكتمان تجاه إفساد قومه انطلقت صرخته ناصحاً إياهم بالحق ومذكراً إياهم في ذات الوقت بأنه ابنهم وأن دافعه في الحديث هو ابتغاء الخير لهم.

إن مؤمن آل فرعون لم يعلن لقومه أنه يتبنى موقف موسى، ولم يكن من الحكمة أن يفعل ذلك، بل إن كل ما فعله أنه التقط خيطاً في داخل منظومته الثقافية لينتصر للحق: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ". لم يشرح لهم أوجه الحق في دعوة موسى، بل أكد على مبدأ حرية التعبير، فإن كانت الفكرة صادقةً صدقتها الأيام، وإن كانت فكرة موسى كاذبةً فسيكون كذبه على نفسه.

وهنا نستفيد أن في داخل كل منظومة ثقافية بشرية مساحة يمكن أن يناضل المرء فيها من أجل الحق والعدل، وأن أدوات النضال تختلف من ساحة إلى أخرى وأن كل امرئ قادر على الانتصار للحق بأدواته الخاصة التي تمنحها له منظومته الثقافية، وأنه ليس مطلوباً منا أن نخرج أحداً من منظومته التي نشأ فيها، بل يكفينا منه أن يكون قائماً بالقسط في الموقع الذي قدره الله له، فمؤمن آل فرعون كان ابن الحضارة الفرعونية وكان يتمنى استمرار ملك قومه: "يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا"، وبالمعيار القومي فقد كان موسى عدواً لمؤمن آل فرعون إذ كان هدف موسى خلاص قومه من آل فرعون، لذلك كانت ساحة نضال المؤمن مختلفةً عن ساحة نضال موسى، فقد كانت معركته هي المنافحة عن حق موسى في التعبير عن رأيه وتجريم القتل على خلفية فكرية وسياسية، ليس من أجل مصلحة موسى في المقام الأول بل من أجل مصلحة آل فرعون لأنه علم أن ملك قومه سيدوم إن هم استقاموا واهتدوا.