حزب الله والمعركة الإيرانية

مدونات - حزب الله في لبنان

في المعركة التي يخوضها مقاتلي حزب الله في جرود عرسال، باسم الولي الفقيه ونيابة عن حرسه الثوري، الثائر دائما ضد تطلعات الشعوب نحو حريتها، يحاول الحزب أن يوحي للمتابعين داخل لبنان وخارجه أن هناك تعاطف لبناني كبير معه في هذه المعركة، على غرار التعاطف الذي حدث في حرب تموز 2006 ضد العدو الإسرائيلي، وأن ناشطين وفنانين وكتابا وسياسيين يؤيدون هذه الحرب، ويقومون بما يشبه الترويج لصورة حزب الله المقاتل للتنظيمات الإرهابية حماية للبنان وشعبه.

وفي الحقيقة هو لا يقاتل إلا لربط الجرود بالمنطقة السورية التي يريدها خالصة صافية له والتي تؤمن له استمرار إدخال السلاح الإيراني عن طريق سوريا، في ما اصطلح على تسميته من قبل المتابعين بـ"سوريا المفيدة" التي تشمل الساحل السوري والمنطقة الممتدة إلى بعلبك والجرود. والمعركة في أصلها ليست دحرا لإرهابيين قاتلوا الجيش اللبناني عام 2014 وارتكبوا مجازر بحقه، وليست انطلاقا استجابة لنداء أهالي عرسال والجوار بضرورة تخفيف الضغوطات عنهم وتمكينهم من الاستفادة من أرزاقهم وبساتينهم المتاخمة للجرود، وإنما هي رد فعل إيراني على الاتفاق الروسي الأميركي في الجنوب السوري والذي قضى أن لا يكون للإيرانيين وتنظيماتهم التي تقاتل في سوريا أي تواجد في عمق 39كلم بعيدا عن حدود الجولان المحتل والحدود الأردنية.

لا مجال للشك أن من أيّد حزب الله أو أوهم نفسه أن قتال الحزب في الجرود سيعود عليه بالنفع، سيستفيق من سكرته ويكون له رأي آخر متماه مع فكرة الدولة التي يحملها.

ما يعني أن الاتفاق تم بالتنسيق أيضا مع الأردني والإسرائيلي، فوجدت طهران في جبهة عرسال بابا للتعويض عن ما فاتها هناك فاستعجلت المعركة وأوحت إلى صبيانها في لبنان أن ينظموا حملة ضد النازحين السوريين لإظهار مدى الفجوة التي تكبر يوما بعد يوما بين اللبناني والنازح السوري الذي يأخذ مكانه في كل مجالات العمل، ثم أطلقت العنان لأذرعها الإعلامية للدخول في ميدان المزايدات حول صوابية المعركة وتوقيتها، والتركيز على أن "المقاومة" تحارب التكفيريين الذين يريدون أن يفجروا في لبنان ويحولوا الاستقرار النسبي الذي يعيشه إلى زلال مدوية. ترافق كل ذلك مع مداهمة للجيش لمخيمات النازحين في عرسال، وتعرض الجيش لتفجيرات انتحارية ضده، ونتج عنها التباس حول وفاة أربع نازحين حسم الجيش ببيانه أنهم توفوا قضاء وقدر، فاتحا الباب أمام المنظمات الإنسانية للتحقيق في الأمر.

هيأ الحزب لمعركته الإيرانية جيدا، كسب تعاطف بيئته الشيعية على اعتبار أنه يقاتل باسمهم أيضا ودفاعا عن مشروعهم الممتد على طول الأراضي العربية وعرضها، وكسب أيضا أغلبية الشارع المسيحي الذي يبدو أنه رأى في معركة الحزب مع المسلحين في الجرود "كمن يزيل الهم من الرأس". أيد رئيس الجمهورية المعركة وتحدث عن نتائج إيجابية ستظهر تباعا، والتزمت بقية الأحزاب المسيحية بالصمت ما أعطى غطاء للحزب أن يصول ويجول في الجرود رافعا "الراية"، واهما بعض الذين لا ينظرون أكثر من أنوفهم أنه يخوض معركة "الشرعية" ويدافع عن الدولة، وهو وإن رفع راية حيا فيها شهداء الجيش وقوى الأمن الذين سقطوا في جرود عرسال منذ ثلاث سنوات، لكنه عاد ورفع راية حزبه الصفراء فوق التلال اللبنانية ما يعني أنه كرّس نفسه بنفسه وبقوة سلاحه وبسلاح الغطاء السياسي والتعاطف الشعبي الذي ظن أنه حصده، دولة علنية يخضع لها لبنان بكليته، بالرضى وإن استعصت الأمور فـ "بالإكراه".

وإن صح هذا التعاطف، فإنه تعاطف ظرفي حتمته المصالح المشتركة والظروف الضاغطة، وعندما تنجلي غبار المعركة ويبدأ الحزب التحضير لمعركة أخرى تحت عنوان جديد، لا مجال للشك أن من أيّد الحزب أو أوهم نفسه أن قتال الحزب في الجرود سيعود عليه بالنفع، سيستفيق من سكرته ويكون له رأي آخر متماه مع فكرة الدولة التي يحملها، والتي يعمل الحزب على تقويضها.

undefined

في المقابل وحده تيار المستقبل أبقى محركات بياناته صاحية "لا يمكن بأي شكل من الأشكال منح الشرعية لقتال حزب الله في الجرود"، لكن البعض على الرغم من المواقف الصريحة للرئيس سعد الحريري والمكتب السياسي للتيار والكتلة، شكك بالكلام متهما المستقبل بالسماح لحزب الله بفتح المعركة بالتوقيت الإيراني الذي يريده، لكن هؤلاء تناسوا أن الرئيس الحريري الذي يحمل الملفات الشائكة معه إلى واشنطن لا يمكنه إطلاقا ان يسمح ولا بأي شكل من الأشكال لا هو ولا جمهوره، ولا الطائفة السنية من خلفهما على تنوع أحزابها ومشاربها السياسية، بأن يسمحوا للحزب أن يشرعن تدخله هذا لأنهم يعتبرون ما يجري في الجرود استمرارا للتدخل السافر للحزب في الحرب السورية، وأنه لولا هذا التدخل لما تجرأ أي تنظيم راديكالي وغير راديكالي بالدخول إلى لبنان واستهداف البيئات المتعددة وليس فقط بيئة حزب الله.

هذا النجاح لا يعطي الحزب إطلاقا شيكا على بياض لفعل ما يريده، ولا يلغي حقيقة مشاركته في الحرب السورية والعراقية واليمنية والليبية، وقتله للمواطنين هناك، وتهجيرهم من مناطقهم ومنازلهم.

ولا بد من القول في هذا السياق، إن التعاطف مع الدويلة هو خروج فاضح عن مسار الوطنية، ودق لأسافين الخيانة في جسد الدولة المنهك بفعل الخروج المستمر عليها من قبل الدويلة، وهو إقرار أيضا بالقبول بمشروع حزب الله، ألم يبشرنا نائب حزب الله في البرلمان اللبناني بالأمس أن في لبنان "اليوم هناك نهجان وصفان، صف الإرهاب التكفيري ومن يتواطأ معه، وصف "حزب الله" ومن يتحالف معه، ونحن نعرف أن في لبنان من يختلف معنا في السياسة، ولكن فليشرح لنا من يختلف معنا اليوم في معركة الجرود على أي أساس يرتكز، وعليه فإن من يختلف مع (حزب الله) اليوم في معركة جرود عرسال، قد اختار أن يكون حليفا للمجموعات الإرهابية التكفيرية، سواء كان اختياره عمدا أو عن غير عمد، عن وعي أو عن غير وعي"، فهل يريد الحزب من هذا إجبارنا على أن نبصم له في حربه وإلا كنا في صف الإرهابيين التكفيريين الذين استدرجهم إلينا، الذين تضرر منهم الإسلام والسنة على وجه الخصوص أضعاف أضعاف ما تضرر منهم الآخرين، وبالتالي الموقف منهم لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

قد يكون الحزب نجح خلال حسمه السريع للمعركة، بدغدغة مشاعر البعض من اللبنانيين عبر بروباغندا إعلامية متقنة، واستعادة ثقتهم التي فقدها في السابع من أيار يوم حوّل اتجاه بندقيته إلى الداخل اللبناني مستهدفا شركائه في الوطن، وقد ساعده في ذلك الفخ الذي نصبه للمسلحين من التنظيمات المتطرفة في صيف 2014 في جرود عرسال نفسها، حيث جرهم إلى المعركة وانسحب لصالح تدخل الجيش اللبناني الذي اصطدموا به ولم يكن غريمهم، ووقعت المعارك التي نتج عنها سقوط شهداء كثر للجيش اللبناني وأخذ بعض العناصر أسرى، لكن هذا النجاح لا يعطي الحزب إطلاقا شيكا على بياض لفعل ما يريده، ولا يلغي حقيقة مشاركته في الحرب السورية والعراقية واليمنية والليبية، وقتله للمواطنين هناك، وتهجيرهم من مناطقهم ومنازلهم بغرض إحلال الشيعة الموالين له مكانهم.

سيبقى حزب الله تنظيما قاتلا لحرية الشعوب وحقها في الحياة، طالما أنه يوغل في قتل السوريين والعراقيين واليمنيين.. ومهما كثرت الأوسمة على صدور مقاتليه في معاركهم ضد المتطرفين فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن هؤلاء يخوضون حربا دينية وسياسية بالوقت عينه، خدمة لمشروع إيراني سافر في تدخلاته وانتهاكاته لسيادة الدول العربية، وظالم وقاتل لشعوب رفعت رايته وهتفت له يوم قاتل العدو الإسرائيلي، لكنها استفاقت متأخرة يوم علمت أنه يريدها خاضعة له لا شريكة معه في النصر.