من يكره أردوغان؟ (2)

blogs أردوغان

في حين لا يتلكأ أنصار الديكتاتوريات والمشاريع الصغيرة في الدفاع عن مشاريعهم وحكوماتهم البائسة، تجد بعض أنصار التجربة التركية بقيادة أردوغان من العرب يتحرجون من الدفاع عما يؤمنون به، خشية أن ينالهم وصف يضعهم في الزاوية. والزاوية الحرجة عادة هي تلك التي يراها السيد الأمريكي كذلك. ففي فترة الحرب الباردة كانت الاشتراكية هي الزاوية الحرجة. وفي الفترة الحالية أصبح الإسلام هو الزاوية الحرجة. ودائما سيكون هناك زاوية حرجة في حس الرأي العام الذي توجهه أجهزة الدعاية المخابراتية.

ومع أن التجربة الأردوغانية تتمتع بقدر كبير من النجاح الذي يدعو إلى الإعجاب، إلا أن العرب الكارهين لها، لأسباب بيناها في الجزء السابق، لا يجدون غضاضة من الحديث عن "مساوئ التجربة الأردوغانية ومخاطرها". مع أنهم لا يملون من إبداء إعجابهم الشديد بتجارب مماثلة لها كالتجربة اليابانية والتجربة الكورية والتجربة السنغافورية، ومن قبلها جميعا التجربة الأوروبية التي يتردد ذكرها على ألسنتهم بصورة يومية كأنها ورد من الأوراد الدينية!

ويعتقد هؤلاء أن ما يقدمونه من شبهات على هذه التجربة كاف في إحراج المعجبين بها. والطريف أن معظم شبهاتهم ترجع إلى شبهة واحدة تذكرك بقول الشاعر: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه! تقول هذه الشبهة: إن ديمقراطية أردوغان غير مثالية، لأنه يمارس القمع ضد مخالفيه، بدليل أنه قد اعتقل عشرات الآلاف من المشتبه بهم في المحاولة الانقلابية الماضية. وليس من المستبعد أن يهدم جسر الديمقراطية بعد أن وصل إلى مبتغاه، كما فعل هتلر من قبل.

إن محاولة الانقلاب الفاشلة كانت تستهدف النظام الديمقراطي برمته وليس أردوغان وحده، تماما كما فعل الجيش المصري في مصر، وبدعم من نفس القوى الأجنبية التي أسقطت الديمقراطية في مصر
إن محاولة الانقلاب الفاشلة كانت تستهدف النظام الديمقراطي برمته وليس أردوغان وحده، تماما كما فعل الجيش المصري في مصر، وبدعم من نفس القوى الأجنبية التي أسقطت الديمقراطية في مصر

وأصحاب هذه الشبهة يتجاهلون عمدا عددا من الحقائق بهذا الشأن. الحقيقة الأولى هي أن التجربة الديمقراطية التركية تجربة ناشئة وليست راسخة، فعمرها الحقيقي لا يتجاوز العقدين من الزمن. وسلوك الديمقراطية الناشئة أكثر قلقاً وحدة من سلوك الديمقراطية الراسخة في مواجهة التهديدات، وهي معذورة تماما فيما تفعل لحماية وجودها. خاصة وأن حجم التحديات والتهديدات أمامها كبيرة جداً. إلى درجة أن بقاءها قائمة حتى الآن هو ضرب من الخيال السياسي.

 

إذا ما عرفنا أن مؤسسة الجيش في تركيا هي قلعة العلمانية الراديكالية المعادية للإسلاميين. ونسبة المؤيدين لأردوغان وحزبه في الجيش التركي، حسب بعض التقارير، لا تتجاوز الواحد في المئة، فهل يستطيع أن يكون ديكتاتورا من لا يملك زمام الجيش؟! وهل يستطيع أن يكون ديكتاتورا من حاز على نصف أصوات الناخبين فقط؟!

والحقيقة الثانية التي يتجاهلها القوم هي أن محاولة الانقلاب الفاشلة كانت تستهدف النظام الديمقراطي برمته وليس أردوغان وحده، تماما كما فعل الجيش المصري في مصر، وبدعم من نفس القوى الأجنبية التي أسقطت الديمقراطية في مصر. مما يعني أننا أمام جريمة مركبة، شقها الأول محاولة إسقاط النظام الديمقراطي، وشقها الآخر العمالة للأجنبي ضد المصالح الوطنية.

 

فما حكم مثل هذه الجرائم في البلاد الأكثر ديمقراطية يا ترى؟! ماذا لو أن محاولة شبيهة حدثت في أمريكا مثلا، كيف سيكون رد الفعل الأمريكي؟ لا نحتاج إلى إجابة، يكفي فقط أن نقيس الأمر على رد الفعل الأمريكي تجاه أحداث 11 سبتمبر. لقد اجتاحت أمريكا العالم الإسلامي كله، وعاقبت شعوبه، بسبب حادثة نسبت إلى بعض المغامرين من أبنائه. وفي ستينيات القرن الماضي شهدت أمريكا فترة المكارثية التي نكلت بكل من يشتبه بانتمائه للاشتراكية. فهل هذه الجرائم أخطر من جريمة الانقلاب على الديمقراطية بالتعاون مع قوى أجنبية؟!

ثم إن خصوم التجربة الأردوغانية يؤيدون بكل حماس اجتثاث الحركات الإسلامية المسلحة كالقاعدة وداعش، ويمنحون أمريكا كافة الصلاحيات في تحقيق ذلك، فهل يعتقدون إن جرائم داعش أكثر سوءا من جريمة الانقلاب على الديمقراطية؟ هنا يمكنك أن تستبين حقيقة الخصومة مع أردوغان. إن معظم هؤلاء هم من خصوم الديمقراطية نفسها، أو من اللذين لا يلقون لها بالا. والجدل معهم ينبغي أن يكون حول موقفهم من الديمقراطية لا حول أردوغان وحزبه.

إن الانتصار للتجربة الديمقراطية في تركيا، ولأي تجربة مماثلة في المنطقة باستثناء إسرائيل، هو انتصار لمستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط برمته
إن الانتصار للتجربة الديمقراطية في تركيا، ولأي تجربة مماثلة في المنطقة باستثناء إسرائيل، هو انتصار لمستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط برمته

وهنا نكون قد وصلنا إلى مربط الفرس في هذه التدوينة، وهو أن الموقف من النظام التركي، بالنسبة لنا نحن المعجبين بالتجربة الأردوغانية، تحكمه نظرتنا العمودية لمحاور الصراع في الشرق الأوسط. فنحن لا نرى الصراع على المستوى الأفقي بين دولة ودولة، بل نراه صراعا بين محاور ثلاثة في الشرق الأوسط، أولها المحور الإيراني الذي يرفع زورا شعار الممانعة للمشروع الصهيوني. وثانيها محور الديكتاتوريات العربية الذي اندمج مؤخرا في محور إسرائيل. وثالثها محور الديمقراطية بقيادة تركيا.

وليس لدينا نحن العرب الديمقراطيون من خيار في صراع هذه المحاور سوى تأييد محور الديمقراطية، مهما كانت المآخذ التي عليه. وهي في الحقيقة مآخذ تقديرية لا موضوعية. والتقدير الذاتي تحكمه النسبية السائلة. والاصطفاف مع هذا المحور ليس عملا اختيارياً بالنسبة لنا بل واجب تفرضه الضرورة الاستراتيجية، والدواعي الأخلاقية. فالانتصار للتجربة الديمقراطية في تركيا، ولأي تجربة مماثلة في المنطقة باستثناء إسرائيل، هو انتصار لمستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط برمته. وهذه حقيقة تعد من بدهيات التفكير الاستراتيجي.

 

ومن التناقض الواضح، أو الغباء السياسي، أن يزعم عربي تأييده لمشروع الديمقراطية في بلده، وهو يعارض التجربة الديمقراطية التركية، خوفاً من تغول الإسلاميين في السلطة. إنه بهذا الموقف يكشف عن أولوياته الحقيقية. فالعلمانية هي قضيته الأساس وليس الديمقراطية. ومعركته مع الدين لا مع الاستبداد. وهذا الانكشاف يخرج الجدل معه من دائرة الخوف على الديمقراطية، إلى دائرة الحديث عن الأولويات السياسية في المنظور الاستراتيجي العربي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان