بدأت ابنتي تتم الأربعة أعوام، وبدأت مخاوفي تتعاظم.. فأنا هنا أمكث بعيداً عن المجتمع العربي.. كيف سأجعل ابنتي تحمل القضية وأبناء الداخل لم يحملوها قط .. بدأت طفلتي تتعمّق.. تسرح بالمشاهد العنيفة على شاشات التلفاز.. قائلة: لماذا يقتل الشرطي الأطفال يا أمي؟!
كيف سأشرح لصغيرتي حال الأمة وحال النزاعات الطائفية والعنصرية والدينية والعرقية السائدة في هذا العالم؟! كيف أعلمها أن تحمل في داخلها قضية فلسطين المنسية وسوريا المنكوبة.. والأمة بأسرها لا تكترث؟! تلك المسؤولية الكبيرة التي أحملها على عاتقي باتت أشبه بالسهل الممتنع.. من السهل جداً أن نعزز فكرة العروبة لدى أطفالنا، ولكنه من الصعب جداً أن يبحثن عن حقوقهن العربية فلا يجدونها في أي دولة عربية ..
هل أخبر طفلتي أن الأمة العربية كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالحمى وو السهر.. -وهي لا تستطيع رؤية جدتها- فقط ولأن الدول العربية قد أغلقت بوجهنا أبوابها ومنعتنا حق الزيارة؟ هل أكذب، وأقول لها أن مجتمعنا مجتمع متماسك ونحن أصبحنا في القرن الحادي والعشرون ولا نزال نقول أنا سوري وأنت فلسطيني.. أنا أردني أما أنت مصري، وذاك عراقي!
| أنا عاجزة تماماً أن أعلمها جغرافية أوطاني وخيرات بلادي.. وفي بلادي العربية يموت المئات جوعاً وفقراً.. بلادنا بلاد النفط والثروات يعيش فيها الملايين تحت خط الفقر. |
كيف أزرع فيها فكرة الوحدة ونحن في داخلنا تترعرع السايكس بيكو وآلاف الفواصل! كيف أحدثها عن العدل والحرية وهناك في إحدى البلاد قد خرج حاكم فوق سجادة حمراء بكلفة مئتي ألف دولار ليقف فوقها مطالباً شعبه أن يقلل من استهلاك المياه والكهرباء!!
كيف علي أن أخبرها عن المحبة هناك والحقد قد تغلغل في تلك النفوس.. أحدثها عن بلاد العرب أوطاني ودول الخليج تحالف القاصي وتقاصي الداني !!كيف أعلمها أن تحب الناس ونحن نشتم بعضنا ونتقاتل لأجل حاكم يحكمنا ويستعبدنا!! هل يحق لي أن أكذب على طفلتي وأقول لها أمتنا أمة السلام.. ودولنا العربية لا تكيد إلا لنا ولا تحاصر ولا تقاطع إلا أبناء جلدتنا.. كما يحصل الآن!
أنا لا أستطيع أن أقول لها أن الدين قد جمعنا وأنا قد حرمت من حقي في زيارة بيت الله الحرام لأنها سياسات دول والخاسر الوحيد هو المواطن العربي المستضعف.. طفلتي التي بدأت تعي ما حولها وتكثر تساؤلاتها حول أي أمر ما.. أكاد أتجنب أسئلتها حول سوريا ومتى تكون العودة. ربما لأنني حقاً لا أملك من العلم ولا حتى قليلاً لأطفئ به فضول صغيرتي.. فمفاتيح دياري ليست بيدي إنها بيد صاحب القرار.. أعيد وأكرر إنها سياسات الدول.
نحن خرجنا بلا عودة أو على الأقل بلا موعد عودة.. حتى يبان خيط الفجر المنتظر.. ربما عام ربما عشرة وربما أكثر (من يدري)؟ أنا عاجزة تماماً أن أعلمها جغرافية أوطاني وخيرات بلادي.. وفي بلادي العربية يموت المئات جوعاً وفقراً.. بلادنا بلاد النفط والثروات يعيش فيها الملايين تحت خط الفقر ..يعيش فيها الناس على فئتين إما في المخيمات والحدائق أو في القصور والفنادق.
سأكون مختلفة قليلاً.. سأعلمها أن تحب الناس بكافة ألوانهم وعقائدهم.. سأعلمها أن تحترم رغبة الآخرين ولا تسمح لأحد التعدّي على رغبتها.. سأعلّم هذه الصغيرة أن تكون رسالة السلام التي أمرنا بها نبيّنا الكريم.. أن تكون ذات أخلاق حميدة.. سأعلّمها الصدق والإخلاص والنظام والتفاني في العمل.. وسأعلّمها العربيّة وسأجعلها عربيّة اللسان لكي تتلو قرآنها وتحفظ منه ما تيّسر.. علّها تأخذ منه ما لم تأخذه مجتمعاتنا.
وفي الختام سأكون لها الصديق الصادق.. سأكون لها صادقة بالأمور جميعها.. إلا العروبة.. سأكذب وأخبر ابنتي أننا أمة متماسكة.. ولترى الحقائق بنفسها حينما تكبر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

