فولِّ وجهكَ شطرَ المسجِد الأقصى

A view of the Western Wall (R), Judaism's holiest prayer site, and the Dome of the Rock on the compound known to Muslims as Noble Sanctuary and to Jews as Temple Mount, is seen in this general view in Jerusalem's Old City October 19, 2014. Clashes have flared repeatedly in the past few weeks as increasing numbers of Jews have visited the sacred area during the Jewish holidays, angering Palestinians who see this as part of an Israeli agenda to alter a long-preserved status quo. REUTERS/Ronen Zvulun (JERUSALEM - Tags: RELIGION CIVIL UNREST

تربّينا مُذ نُعومة أظافِرنا على حُبِّ القُدس، أن الأقصى لنا وأن فلسطين عربية.. وكان تحريرُ الأقصى وخاصة في عهدنا يحتل قمة الأحلام.. حُلم بأقصى محرّر وبتأشيرة دخول ساحاته كعربيّ معزّزٌ شامخَ الرأس يمشي فيها كمالكٍ لها، لا كمنبوذٍ يرى كل من لا يملك شيئًا منها فيها إلا هو، كمحروم حرم التنعم بما يملك قسراً وإرغامًا.

لكنّهُ حُلم كباقي الأحلام يتلاشى فور تصادمه بالواقع، فكيف لحلم أن يتحقق وهو باقٍ في مرحلة الأمنيات بعيدًا عن التحقيق والتطبيق؟.. أيُعقل أن يمُر على ضياع فلسطين من أيدي العثمانيين مئة عام، مئة عام على وقوع القدس فريسة لا حول لها ولا قوة بين يدي الاحتلال ودون أي جهد يُذكر من المسلمين لاستعادة قبلتهم الأولى؟!.. نغضب؟ نعم نغضب وتحمرُّ وجوهنا وتغلي دماؤنا، ولكن هل ثُرنا؟

بالطبع لا، فالشعب الفلسطيني هو المقاوِم الوحيد في وجه كل هذا وسط أمةٍ لا تفعل سوى الانتظار والانتظار، ووسط محتل يستغل هذا الانتظار لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، وهذا يؤكده ما قالته غولدا مائير عند حرق الأقصى "ﻟﻢ ﺃﻧمْ ﻟﻴﻠﺘﻬﺎ ﻭﺃﻧﺎ ﺃﺗﺨﻴّﻞ أنَّ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺳﻴﺪﺧﻠﻮﻥ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﺃﻓﻮﺍﺟًﺎ ﻣﻦ ﻛُﻞ ﺻﻮﺏ، ﻟﻜن ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻃﻠﻊ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ﻭﻟﻢ ﻳﺤﺪُﺙ ﺷﻲﺀ ﺃﺩﺭﻛﺖ ﺃﻥ ﺑﺈﺳﺘﻄﺎﻋﺘﻨﺎ ﻓﻌﻞ ﻣﺎ ﻧﺸﺎﺀ ﻓﻬﺬه ﺃﻣﺔ ﻧﺎﺋﻤﺔ".

أصبحنا مثل الزبدُ نذهبُ جُفاءً لا قيمةَ لنا، حُكامنا قدمواْ مُقدساتنا وأراضينا -وقبل ذلك كله- قدمونا قُربانًا لبني صُهيون، وشيوخهم أفتوا لهُم بإباحة دماء الكثير من المُسلمين.

وهذا تحديداً ما جعل رئيس الوزراء الصهيوني مناحم بيغن يقول: آمل أن يعاد بناء الهيكل في أقرب وقت، وخلال فترة هذا الجيل.. هذا الجيل النائِم الذي يحلم فقط.. ومن يستيقظ منهم يُحقن بخبث الأنظمة العربية المتصهينة، ناهيك عن وجود من يُنشأ أجيالاً على كُره الفرد الفلسطيني وأن القدس ملك للفلسطينيين فقط وبالتالي يُبغض أيضًا!

القُدس ليست أقل حرمةً من مكة فمن المؤكد أن عِزة المسلمين مرتبطة بالمسجد الأقصى ارتباطًا قويًا فهو أولى القبلتين وثانيَ الحرمين وأحد المساجد التي تُشدُّ إليها الرحال، وهي نُقطة التجمُّع حيثُ أمَّ النبيُّ ﷺ جميعُ الأنبياء، فبهذه المُعجزة أصبحت القُدس هي نُقطة تجمُّع الأُمم، وبضياع المسجد الأقصى من أيديهم ضاعت معه عزتهم ومنعتهم وقبل كُل هذا ضاعت نقطة تجمّعهم وقيادتهم للعالم، ولن نسترد تلك العزة الا إذا جعلنا المسجد الأقصى مركز حياتنا وتفكيرنا مع التركيز على أن المعرفة هي أساس التغيير والتحرر فلا يمكن التحرك لاسترداد الأقصى نتيجة لعواطفنا فقط بل بحركات مدروسة واستراتيجيات أساسها المعرفة وبذلك نكون على درب عماد الدين زنكي ونور الدين وصلاح الدين الأيوبي.. حيث أن الجهد المعرفي كان له دور مهم في التجهيز للفاتحين ولا يمكن تحقيق الثالث إلا بنفس الطريقة، فالإعداد المعرفي مهم جدًا لتحقيق الفتح واستكماله.

أولى القِبلتين لم تكون وسمة شرف للمسجد فحسب، بل هي عقيدة أنَّ القُدس مُفضّلٌ ومُقدمٌ عن غيره قبل أن يكون مقدّسًا، وأننا يا مُحمد " فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا" ولكن قبل هذا على أُمتك أن تُدرك أن الأقصى مُقدّم على ما سنولّيكَ نحوه، وأنّ العقيدة لا تكتمِل إلا بتقديسه وتقديمه ونُصرته عند هوانه. لا التجمُّع في ساحات الحرم يُغنيك عنهُ، ولا تقديس الكعبة وزخرفتُها بحرير وذهب يُغني عن الأقصى، لا ولن يغفر تخاذُلك تجاهه.

تعلواْ الأُمم وتدنواْ بشعوبها وحُكامِها، فأصبحنا مثل الزبدُ نذهبُ جُفاءً لا قيمةَ لنا، حُكامنا قدمواْ مُقدساتنا وأراضينا -وقبل ذلك كله- قدمونا قُربانًا لبني صُهيون، وشيوخهم أفتوا لهُم بإباحة دماء الكثير من المُسلمين، في الكثير من المواقف بحُجة أنهم أخطر على الإسلام من اليهود، نعم اليهود مُسالمين ولطفاء جدًا ولكن مع الحُكام ومشايخ السلاطين فقط، وهذا ما يهمهم.. أما شعبٌ يُناضل وشابٌ يُقتل من أجل أرضه أولًا ومن أجل مُقدساته ثانياً وحده دون نصير، وآخر يخرج ليتظاهر مستنكرًا لما يحدُث من تواطؤ وتخاذُل، فيكون مصيره أن يُسحل أو يُسجن أو يختفي قسرًا، ثم يُكتب في شهادة وفاتهِ أو سجل جناياته، التُهمة: "مُحبٌ للقدس مؤمن بالله مُدافعٌ عن حُرماته" ولكن بنمط آخر مُختصر جدًا ومُنمّق، التُهمة: "إرهابي".

عبثت نار العدو حتى الشبع في الأقصى وكل عام جديد يأتي لا شيء يتغير للأفضل بل كل شيء يزداد سوءًا، لذا آن الاوان لنصرتهِ واسترجاع العزّة فنحن أحياءٌ وباقون وللحلم بقية ولا شفاء لنا من أملنا.

وأنت.. ماذا فعلت لنُصرة شعائر الله؟ وأيُّ شعائرٍ تلك؟ إنها بيوت الله.. أين كُنت عِندما حُرق المسجد (س) وأين كُنت عندما قُتل العُزّل في المسجد (ص) وأين كُنت عِندما استباحت حُرمات الله في مساجد مشارق الأرض ومغاربها؟ أين أنت والمسجد الأقصى يُهان ويغتصب من قبل يهودي مُحتل يُدنّس موضع أقدام الأنبياء! ومواضع سجود جباههم الطاهرة؟ هل لديك حُجةٌ بليغةٌ ستُقدمها لله عز وجل عندما تلقاه؟ هل لديك إجابةٌ فصيحة عندما تُسأل عن هذا؟ من المصائب الكُبرى أن تكون قد علمت ولم تُنكر، فضلًا عن أنكَ -رُبما- تكون أحد الغاصبين وأنت لا تدري.

رُبما تُشارك في هذا بعدم الاكتراث له، رُبما لم تُقدّس أو تُعظِّم، رُبما ليست لديك أدنى تقوى (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). وأيُّ شعيرة؟! إنهُ الأقصى.

عبثت نار العدو حتى الشبع في الأقصى وكل عام جديد يأتي لا شيء يتغير للأفضل بل كل شيء يزداد سوءًا، لذا آن الاوان لنصرتهِ واسترجاع العزّة فنحن أحياءٌ وباقون وللحلم بقية ولا شفاء لنا من أملنا أو حتى من حبنا الفطري للأقصى.. يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: ما هو الوطن؟! هو الشوق إلى الموت من أجل أن تعيد الحق والأرض. ليس الوطن أرضًا، ولكنه الأرض والحق معًا، الحقُ معك، والأرضُ معهم.

يا من يسكن الأقصى قلبهُ، الأقصى أنت، الأقصى انعكاس لكرامتك، فولِّ وجهكَ شطرهُ ولا تتخاذل.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان