النص الشرعي بين التأويل والتنزيل

مدونات - القرآن
ديننا دين عدل ومساواة، دين عزة وكرامة، دين حرية.. وعليه، فإن هذا الدين لا يمكن أن يقبل بظلم الحكام وجورهم وتهورهم، ولنا في رفض سلمان الفارسي طاعة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، حين قال عمر وهو على المنبر: "اسمعوا وأطيعوا، فقال سلمان: لا سمع ولا طاعة حتى تبين لنا من أين أتيت بقميصك"، خير دليل أن قصد الشرع من الأحاديث التي تتحدث عن السمع والطاعة غير الذي يروج له علماء السلاطين لقهر الشعوب وإذلالهم. فتلك الأحاديث غالبا ما تتحدث عن علامات الساعة والتحذير من فتنها. 
ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، يجب أن يوضع في سياقه، ويفهم بضم كل أحاديث الباب وتفسيرها وفق تعاليم القرآن، فالسنة والقرآن من مشكاة واحدة. وكذلك أخذ المال فلا يتصور أن يأخذ الخليفة مال المواطن بغير حقه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم دم المسلم وماله إلا بحق، قال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ "( البخاري ح 1399). وقد يراد من أخذ المال تقوية شوكة الدولة الإسلامية من إعداد القوة لمجابهة أعداء الإسلام. أما أن يدعونا ديننا للصبر على ضرب الظهر استجابة لكبرياء الأمير وجوره، وأخذ مالنا لبناء القصور والاستجابة للذات الحياة فهذا مناف لعدالة ديننا.

ما كان الله عز وجل ليُعِزنا بالإسلام ثم يأمرنا بالصبر على جور الحكام، إنما يجب أن توضع النصوص في سياقها لفهم قصد الشارع بدل مجاراة السلاطين. فما وجدنا آثارا في السيرة النبوية تروي لنا ضرب الناس أو أخذ أموالهم إلا بحقها.

وأما حديث حذيفة بن اليمان "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع"، (مسلم ح 1847)، يتحدث عن الفتن وظهور الدجال، فإن ظلم الأمير لن يبلغ فتنة المسيح، فوجب اختيار أخف الضررين. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الأمراء يجب تصورهم على ما كانوا عليه زمن الخلافة، ولا شأن لهم مما هم عليه كما تشهدونه اليوم من عمالة للكيان الصهيوني وخيانة الأمانة، فقد كان الحجاج ظالما لكن الدولة الإسلامية كانت ذا شأن معززة مكرمة لا يجرؤ خصمٌ على الاقتراب من حدودها بل الاعتداء على مواطنيها، فافهم بارك الله فيك. وأما حديث: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا مَا أَقَامَ لَكُمْ كِتَابَ اللَّهِ" (سنن الترمذي ح 1706، قال الألباني صحيح)، ففيه شرط إقامة كتاب الله، وإن أقام الأمير كتاب الله فذلك العدل بعينه.

وحديث عوف بن مالك: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، قيل: "يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة"، (مسلم ح 1855)، اشترط الطاعة بإقامة الصلاة، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، ومن لا صلاة له فكيف يقيمها، ومن لم يقم الصلاة فلا طاعة له، بل يشمله قول المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه من شرار الأئمة الذين تبغضهم شعوبهم.

وعليه، ففهم النصوص يجب أن يقتدى فيه بفهم الصحابة الكرام، فقد جاء عمرَ رجلٌ يشتكي قال: إني تسابقت مع ابن الوالي ولما سبقته ضربني. فاستدعى عمر وليه وابنه واقتص منهما وعزل الوالي.
هكذا يجب أن نفهم نصوص الحديث. فالصحابة رضي الله عنهم هم أولى بفهم النصوص وتنزيلها، وما كان الله عز وجل ليُعِزنا بالإسلام ثم يأمرنا بالصبر على جور الحكام، إنما يجب أن توضع النصوص في سياقها لفهم قصد الشارع بدل مجاراة السلاطين. فما وجدنا آثارا في السيرة النبوية تروي لنا ضرب الناس أو أخذ أموالهم إلا بحقها، وما تجبّر السلاطين منذ الانكسار التاريخي، أي بعد انتهاء الخلافة الراشدة إلا بالتأويلات غير الراشدة.

العالم يتحدث عن حقوق الإنسان ويطورها ويضع لها قوانين ملزمة ليحفظ كرامة شعوبه، ويتحدث عن تداول السلطة بالطرق السلمية عبر احترام إرادة الشعوب ليحكم الشعب نفسه بنفسه، ويتحدث عن توزيع الثروات بالعدل لكي لا يكون المال دولة بين الأغنياء.. ونحن نلوي أعناق النصوص ونخرجها عن سياقها لنمدّ في عُمر الاستبداد ونطيل مرحلة التخلف.