القدسُ ليست لنا

blogs القدس
تدورُ المعارِكُ بين جنودِ الإسلام وطواغيت الروم لنحو أربع سنوات، يسقُط فيها مئاتُ الشهداءِ، وتزدادُ فيها الرُقعة المباركةُ التي تذعِنُ بالإسلام، تتداخلُ في قلوبِ المسلمينَ أحاسيسُ شتى.. لمن ستكونُ القُدس، ومن الذي سيكتُب الله لهُ أن يكونَ أحد أسباب فتحِ المسجدِ الأقصى والصلاةِ فيه التي تعدِلُ أكثرَ من مائةِ ألف صلاة، من الذي سينالُ بركةَ الصلاةِ في موضعِ النبي قبيلَ المِعراج، ومن الذي سيؤذنُ الآذانَ الأولَ للإسلامِ في قبلتهِ الأولى.
يقفُ جنودُ أميرِ المؤمنين أمام المسجد، ينتظرونَ أميرَهُم.. لم يأتِ أميرُ المؤمنين إلى مدينةِ القدس بخيلٍ قوية مطهمة، ولا بجيوشٍ جرارة، ولا بعظمةِ ملكٍ ولا أُبهةِ سُلطان، سارَ رحلتهُ من المدينة إلى الأقصى بناقةٍ وزادٍ وخادم يبادِلهُ رُكوبَ الناقة فيركبُها الخادِمُ ساعةً ويمتطيها عمرٌ ساعةً ثم يريحانها برهةً، رحلةٌ شاقة، وسفرٌ صعب.. يرافقهم فيهِ لهيبَ الصحراءِ إلى أن وصلا قريبًا من جيشِ المسلمين، وكان بينهم وبين الجيشِ منخفضٌ مليء بالماءِ والطين، وكانَ خادِمُ عمر راكبًا وعمرُ يجر ناقتهُ وأعلاهُ خادِمهُ في إباءٍ نادر، وشموخٍ لن يتكرر، الأرضُ لا تسعهُ وإن اغبَرَ ثوبُه وعلا الوحلُ قدمه، القُدسُ هدفُه، ومفاتيحُ المسجِدِ الأقصى قِبلَتهُ التي يدعوا الله أن يكونَ فتحُها على يديه، ليهرع إليه أبو عبيدةُ بينَ نفرٍ من جيشه قائلًا يا أمير المؤمنين لو أمرت بركوبٍ فإنهم ينظرون إلينا. ليغضب عمر بن الخطابِ يومها غضبًا جمًا، ويصيحُ بقائدِ جُندِهِ ومُسَيِّر جيشِه وأحد من بشروا بالجنةِ قائلًا: "لقد كُنا أذلةً فأعزنا الله بالإسلامِ، فإذا ابتغينا العزة بغير الإسلامِ أذلنا الله"، ليتسلم رضي الله عنه مفاتيحَ القُدسِ بعدها.. ثم تُصبِحَ القدسُ للمسلمين!

القدسُ لمنتعلي الشرفِ ولابسي لباسِ الحق، القُدسُ لعيونٍ جفلت وسيوفٍ صلّت رِقابِ اليهود مرار الذُلِ واليأس.. القُدسُ لمن ماتَ على حَرمِه، أو قبيلَ منبَرِه، أو على أعتابِ أبوابِه، القُدس لمن تيبست أقدامهم وتقطعت في الدفاع عنه.

يمشي صلاحُ الدينِ واثقَ الخطى بينَ جُندِهِ إثر انتصارِ حطين، تمنَعُ ابتسامتهُ قرابةُ تسعين عامًا هو عُمر احتلالِ القُدسِ من الصليبين، وأكثرُ من سبعينَ ألفًا من الأرواحِ الطيبةِ التي دفعت دماءها فداءً للأقصى، يمضي صلاحُ الدينِ في طريقِه فيَفتحُ عكا وبيروت والقلاعَ المحيطةِ بهما ثم يفتحُ عسقلان والرملة وغرةُ وغيرهم، يقطعُ صلاحُ الدينِ الأرضَ طلبًا للقدسِ، في سرعة ضارِبة وتؤدةٍ جبارة؛ تنخلِعُ قلوبُ أبناءِ الصليبِ هلعًا، فمنهم من يذرُ أورشاليم هاربًا إلى الشمالِ أو من يقطَع على نفسِه الأمد، فيعود من حيثُ جاءوا بهِ إلى أوروبا، ليصل المُظفرُ يوسُف بن أيوب في 11 رجب سنة 583 هـ، ليصلي بجيشهِ الجمعةَ أعلى الجبلِ المحيطِ بها، لِيُدافع الصليبيين عن المدينةِ إلى الرَمقِ الأخيرِ فيهِم، ثم لما لم يستطيعوا مجابهةَ صلاحِ الدينِ أذعنوا لشروطِهِ وسلموا المدينة في ذكرى الإسراء – 27 رجب 583 هـ – ليصلي رحمهُ الله بها بعدَ قُرابةِ القرنِ بعيدةً عن أذرُعِ المسلمين .. لتعودَ القدسُ لهم، ثم تصبح القدسُ للمسلمين!

القدسُ ليست لنا، هي للجيلِ الأول من المسلمين، ولمن دافعوا عنها وتوجسوا الخيفةَ من زوالِ نعمتها، القدسُ للأجيالِ التي وعت وستعي أن الإسلامِ جهادٌ وعقيدةٌ وعمل، أولئك الذين أبصرت قلوبُهم النورَ فلم تعجزهم عتمةُ الليلِ ولا أخافتهم جنودُ الضلال، القُدسُ للذين أثاروا هممهم واستنفروا غاياتِهم وأدركوا أن الأرضَ التي بارَكها اللهُ ومن حولَها ليست مآل راياتِ الصليبِ ولا راياتِ اليهود، القدسُ لجنودِ عمرٍ الذينَ باعوا أنفسهم للهِ لتخضَعَ الأرضُ كُلها لهم، لصلاحِ الدينِ الذي كانَ يقولُ كيفَ أضحكُ والأقصى أسير، ولم تفتُر شفتاه ولم تبتسم إلا حينَ صلى في المسجدِ القبلي بحرمِ الأقصى الشريف.

القدسُ لا تشتكي، وإن اشتكت فلن تشتكي إلى وهنٍ مزقتهم الأمم، وباعدت بين طياتِهم رُغم تقارُبها.. القُدسُ لا تنتظِرُنا ولا تَصيحُ فينا طلبًا لفاتحٍ كصلاحِ الدين، نحنُ من نحتاجُ للقدسِ لنصلي، نحنُ من ستُبارِكُنا الملائكةُ وتصلي علينا السُنون ويتذاكَرنا التاريخُ ويتغمدنا الشرفُ إن أعدنا القدس.. إلا أن بيننا عُماةُ بصيرةٍ وبصر، ينتظرون المهدي المنتظر، وهم أبعدُ ما يكونون عن الهُدى أو الهدي، ويستجدون السلامَ ومدينةُ السلامِ يعلوها سلاحُ بنوا صهيون وينظُرون إلى شهداءِ الأقصى بغيرِ أي عينٍ تنظُرُ إلى مصائبِ العالم ونكائبهِ فالمكيالُ خربٌ والكيِّلُ مطفف!

وكما قال يوسُف الدموكي: "ولَذرّةُ ترابٍ عالقةٍ بحذاء مرابطةٍ أمام الأقصى أشرفُ من رؤوس العالَمين مكللة بالذهب" ونظم تميم.. والقدس تعرف نفسها.. اسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُ، فكلُّ شيء في المدينةِ ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ! وكما غرّد أسعد طه "القُدسُ ليست لنا، القُدس للذين يُدافِعونَ عنها" القدسُ للمرابطينَ أمامهُ وإن لم يقربوه، القدسُ لمنتعلي الشرفِ ولابسي لباسِ الحق، القُدسُ لعيونٍ جفلت وسيوفٍ صلّت رِقابِ اليهود مرار الذُلِ واليأس.. القُدسُ لمن ماتَ على حَرمِه، أو قبيلَ منبَرِه، أو على أعتابِ أبوابِه، القُدس لمن تيبست أقدامهم وتقطعت في الدفاع عنه.. القُدسُ ليست لنا يا أهلَ ديني القدسُ للذين يُدافعون عنها.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان