| القدسُ لمنتعلي الشرفِ ولابسي لباسِ الحق، القُدسُ لعيونٍ جفلت وسيوفٍ صلّت رِقابِ اليهود مرار الذُلِ واليأس.. القُدسُ لمن ماتَ على حَرمِه، أو قبيلَ منبَرِه، أو على أعتابِ أبوابِه، القُدس لمن تيبست أقدامهم وتقطعت في الدفاع عنه. |
يمشي صلاحُ الدينِ واثقَ الخطى بينَ جُندِهِ إثر انتصارِ حطين، تمنَعُ ابتسامتهُ قرابةُ تسعين عامًا هو عُمر احتلالِ القُدسِ من الصليبين، وأكثرُ من سبعينَ ألفًا من الأرواحِ الطيبةِ التي دفعت دماءها فداءً للأقصى، يمضي صلاحُ الدينِ في طريقِه فيَفتحُ عكا وبيروت والقلاعَ المحيطةِ بهما ثم يفتحُ عسقلان والرملة وغرةُ وغيرهم، يقطعُ صلاحُ الدينِ الأرضَ طلبًا للقدسِ، في سرعة ضارِبة وتؤدةٍ جبارة؛ تنخلِعُ قلوبُ أبناءِ الصليبِ هلعًا، فمنهم من يذرُ أورشاليم هاربًا إلى الشمالِ أو من يقطَع على نفسِه الأمد، فيعود من حيثُ جاءوا بهِ إلى أوروبا، ليصل المُظفرُ يوسُف بن أيوب في 11 رجب سنة 583 هـ، ليصلي بجيشهِ الجمعةَ أعلى الجبلِ المحيطِ بها، لِيُدافع الصليبيين عن المدينةِ إلى الرَمقِ الأخيرِ فيهِم، ثم لما لم يستطيعوا مجابهةَ صلاحِ الدينِ أذعنوا لشروطِهِ وسلموا المدينة في ذكرى الإسراء – 27 رجب 583 هـ – ليصلي رحمهُ الله بها بعدَ قُرابةِ القرنِ بعيدةً عن أذرُعِ المسلمين .. لتعودَ القدسُ لهم، ثم تصبح القدسُ للمسلمين!
القدسُ ليست لنا، هي للجيلِ الأول من المسلمين، ولمن دافعوا عنها وتوجسوا الخيفةَ من زوالِ نعمتها، القدسُ للأجيالِ التي وعت وستعي أن الإسلامِ جهادٌ وعقيدةٌ وعمل، أولئك الذين أبصرت قلوبُهم النورَ فلم تعجزهم عتمةُ الليلِ ولا أخافتهم جنودُ الضلال، القُدسُ للذين أثاروا هممهم واستنفروا غاياتِهم وأدركوا أن الأرضَ التي بارَكها اللهُ ومن حولَها ليست مآل راياتِ الصليبِ ولا راياتِ اليهود، القدسُ لجنودِ عمرٍ الذينَ باعوا أنفسهم للهِ لتخضَعَ الأرضُ كُلها لهم، لصلاحِ الدينِ الذي كانَ يقولُ كيفَ أضحكُ والأقصى أسير، ولم تفتُر شفتاه ولم تبتسم إلا حينَ صلى في المسجدِ القبلي بحرمِ الأقصى الشريف.
القدسُ لا تشتكي، وإن اشتكت فلن تشتكي إلى وهنٍ مزقتهم الأمم، وباعدت بين طياتِهم رُغم تقارُبها.. القُدسُ لا تنتظِرُنا ولا تَصيحُ فينا طلبًا لفاتحٍ كصلاحِ الدين، نحنُ من نحتاجُ للقدسِ لنصلي، نحنُ من ستُبارِكُنا الملائكةُ وتصلي علينا السُنون ويتذاكَرنا التاريخُ ويتغمدنا الشرفُ إن أعدنا القدس.. إلا أن بيننا عُماةُ بصيرةٍ وبصر، ينتظرون المهدي المنتظر، وهم أبعدُ ما يكونون عن الهُدى أو الهدي، ويستجدون السلامَ ومدينةُ السلامِ يعلوها سلاحُ بنوا صهيون وينظُرون إلى شهداءِ الأقصى بغيرِ أي عينٍ تنظُرُ إلى مصائبِ العالم ونكائبهِ فالمكيالُ خربٌ والكيِّلُ مطفف!
وكما قال يوسُف الدموكي: "ولَذرّةُ ترابٍ عالقةٍ بحذاء مرابطةٍ أمام الأقصى أشرفُ من رؤوس العالَمين مكللة بالذهب" ونظم تميم.. والقدس تعرف نفسها.. اسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُ، فكلُّ شيء في المدينةِ ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ! وكما غرّد أسعد طه "القُدسُ ليست لنا، القُدس للذين يُدافِعونَ عنها" القدسُ للمرابطينَ أمامهُ وإن لم يقربوه، القدسُ لمنتعلي الشرفِ ولابسي لباسِ الحق، القُدسُ لعيونٍ جفلت وسيوفٍ صلّت رِقابِ اليهود مرار الذُلِ واليأس.. القُدسُ لمن ماتَ على حَرمِه، أو قبيلَ منبَرِه، أو على أعتابِ أبوابِه، القُدس لمن تيبست أقدامهم وتقطعت في الدفاع عنه.. القُدسُ ليست لنا يا أهلَ ديني القدسُ للذين يُدافعون عنها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

