الخلود.. بقاء الاسم أم الأثر؟

blogs - سماء البحث عن الله
في كتابه (الصراع من أجل الإيمان) يصف د.جفري لانج مرحلته الإلحادية قبل إسلامه فيقول: (إن هدف الملحد الأسمى ليس الذهاب للجنة بل أن يذكره الناس)، (وذلك عن طريق إنشاء أسرة أو تأليف كتاب أو إنجاز اختراع ما، أو القيام بعمل بطولي أو رومانسي، بحيث يعيش في أذهان الآخرين)، ينطبق هذا الوصف على كل شخص صارت الدنيا سجنه الكبير الذي يُضجره ويستوحش فيه، ومع ذلك فهو لا يريد الخروج منه، وعلى كل شخص أُغلِقتْ عليه حقيقة الإيمان بالله حتى لو تمظهر بالإسلام، بل وحتى لو قُتل في سبيل الله في الدنيا، ليأتي يوم القيامة بزعمه هذا فيخاطبه ربه: كذبت (بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل) فيكون من أول ثلاثة تسعّر بهم النار كما في الحديث في الصحيحين وغيرهما.
وإذا تأملنا حقيقة هذا المفهوم، سنرى أولاً أنّ النزوع إلى الخلود صفة طبيعية نحسُّ بها جميعاً حين (خلق الله آدم على صورته) كما في الصحيحين، متصفاً بظلالِ صفاته فوهبه العقل والعلم والادراك وحب الخلود وهي لا تمثل من صفات الله إلا (كما نقر هذا العصفور من ماء البحر) مثلما قال الخضر لسيدنا موسى في البخاري، لكن هذا المفهوم في الإسلام متطابق ومعكوس مع فكرِ الملحدِ في هذه الدنيا الفانية التي هي مجرد محطة لحياة خالدة، فكيف ارتبط فيها حب الخلود مع العبودية والتوحيد؟

هي صدقة لكنها جارية، هو علم لكنه ينتفع به، هو ولد لكنه صالح يدعو لك، وهكذا تتكامل دائرة التأثير في كل مناحي الحياة ويتكامل النفع اللازم المصاحب لكل عمل

سنرى أن الإسلام لم يحظر هذا الدافع النفسي للخلود حتى لو اقتصر على المرحلة الدنيوية، لكنه جعله ثنائي القطبية، فقد أشبعه وحضَّ عليه من جهة وجعله في الوقت نفسه ذا أثر في الحياة الآخرة الخالدة ما دام تأثيره الدنيوي نفعياً وموجهاً للانتصار على هوى أنانية النفس والتسامي لما يفيد الغير، فليس الهدف بقاء اسمك بل بقاء تأثيرك في هذه الدنيا المؤقتة التي أمرنا بعمارتها حتى لو لم يبق فيها إلا ساعة واحدة، وقامت القيامة، فلتبادر ولتزرع حتى لو نبتة صغيرة لن تثمر حالاً (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها). كما في البخاري ومسند أحمد.

سنرى هنا حديثاً ذهبياً يقول (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ). في الصحيحين وغيرهما، تبدو في البداية كلمة (إلا) وكأنها تحصر الاستثناء في أمور محدودة بسيطة غير أننا إذا تأملنا سنجد العجب حين شملت كلّ المنجزات الحضارية في الدنيا. نعرج قليلاً على كتاب (مشكلات الحضارة) وغيره لمالك بن نبي فنرى أنه اعتبر هذه الدنيا بأجمعها تحيط بأي إنسان في ثلاثة عوالم (عالم الأشياء -عالم الأفكار-عالم الأشخاص) وأي منجز حضاري لا بد أن يقع ضمن أحدها وهو تصنيف سار عليه كثيرون.

نعود للحديث السابق لنرى أن ديمومة التأثير مطلوبة في كل مناحي الحياة الدنيا. فكلمة (صدقة) تشمل كل شيء من عالم الأشياء سواء كانت (سقيا ماء) أو شارعاً أو عمارة أو مصنعاً أو اختراع آلةٍ أو دواء أو أي شيء آخر، لكن بشرط لازم مقترن هو أن هذا الشيء صدقة لوجه الله وجارية يستمر ثوابها ما استمر تأثيرها. وكلمة (علم) تشكل كل فكرة من عالم الأفكار سواء كانت في تشمل المجال المادي المحسوس أو الفكري غير المحسوس فقد تكون بحثاً في أي علم ديني أو علمي أو اجتماعي أو أدبي ويتجلَّى في كتاب أو محاضرة أو حتى حكمة أو مثَل سائر بشرط لازم أن يكون علماً نافعاً لا مجرد سفسطة هائمة أو قصيدة تدور في فلك الضياع، لنرى دعاء النبي في صحيح مسلم (اللهم إن أعوذ لك من علم لا ينفع).

وكلمة (ولد) تشمل كل شخص من عالم الأشخاص أثرتَ فيه وتجلى ذلك في فكره أو سلوكه أو مصدر رزقه أو أي أمر آخر بشرط لازم أن يكون تأثيرك مفيداً تجعله يدعو لك وقد يمتد تأثيرك ليكون هو مؤثراً بالتبعية في أشخاص آخرين في جيله أو جيل أحفاده لتصلك الدعوة بشكل غير مباشر ونلاحظ هنا أن كلمة الولد أعم من كلمة (الابن) البيولوجي. إذن هي صدقة لكنها جارية، هو علم لكنه ينتفع به، هو ولد لكنه صالح يدعو لك، وهكذا تتكامل دائرة التأثير في كل مناحي الحياة ويتكامل النفع اللازم المصاحب لكل عمل لتكون لك حيوات أخرى تمتد بعد انتهاء حياتك الفانية لتفيد منها في حياتك الحقيقية الخالدة بجوار خالق الزمان والمكان.