اخلع نعليك إنك بـ "البار"

مدونات - بار
عندما أخبرني أن الدخول لـ "البار" أصبح بالبطاقة، قلت له "بشرة خير"، فربما يكون هذا لتوطنوا أنفسكم على دخول مجلس التعاون الخليجي!

في البداية، اعتقدت أن صاحب الرسالة يمزح، لاسيما وأنه ختمها بهتاف: "يسقط محمد مرسي"، ولاسيما أيضاً أن مصر في عهد الانقلاب العسكري، تعتبر الخطر في "التدين" لذا، فإنها تحارب ملامحه، وتضييق على المتدينين في أداء الشعائر الدينية، حتى صار الاعتكاف في رمضان، من الأمور التي تمثل خطراً على الأمن العام، ولهذا فإنها تجري تحت الإشراف المباشر لأجهزة الأمن، وأصبحنا أمام مخطط يريد أن يفرغ الدين من محتواه، إلى حد أنه تختلط علينا الوجوه، فلم نعد نميز بين وزير الداخلية، ووزير الأوقاف، رغم التمايز في لباسهما، فبينما يرتدي الأول ملابس الفرنجة، فإن الثاني يحرص على ارتداء الزي الأزهر، ربما يوطن نفسه للمرحلة الجديدة عندما تتم ترقيته شيخاً للأزهر!

لقد أكد لي صاحب الرسالة أن دخول "البار" بالبطاقة الشخصية، وأنه هذا قرار جرى تطبيقه قبل يومين، عندئذ سألته إن كان هذا قاصراً على "البار" الذي يتردد عليه؟ فكان جوابه، أن هذا القرار مطبق في عموم "البارات"، لأسباب غير معروفة، حيث الاطلاع على البطاقة، بينما الكاميرا تلتقط بياناتها، وهو القرار الذي احتارت البرية في فهم بواعثه، ولم يكن له مبررا عندي، فتعاملت مع الأمر مازحاً، فهل يستعد السيسي به لعضوية مجلس التعاون الخليجي!

undefined

عندما قامت ثلاث دول خليجية، بحصار قطر، ودخل السيسي على الخط، مع هذه الدول، تمت دغدغة المشاعر الجياشة للناس، بأن قراراً قد يصدر بإسقاط عضوية قطر في مجلس التعاون، وأن تحل مصر بديلاً. وكما قيل فإن الجائع يحلم بسوق الخبز! ولم يكن الأمر يحتاج إلى ذكاء لنفيه، لأن نظام مجلس التعاون الخليجي يسمح بدخول أي مواطن من أي دولة من دول الاتحاد، الدول الأخرى بدون تأشيرة، فالمعنى أن تكون دول الاتحاد مستعدة لاستقبال مئة مليون مصري!

الصراع -إذن- في جانب منه هو على السلطة، وعلى من يمثل الدين، ومن يعتقد أنه المسؤول عن دين البشر، والخوص في فهم الشخصية المصرية، سينتهي بنا إلى أن "تدين السلطة العسكرية الحاكمة"، لا يختلف عن تدين العاملين في الحانات.

لكن حلم السفر الذي بات يداعب خيال غالبية المصريين كان سبباً في إيمان بعضهم بهذه الدعاية، التي روجها الإعلام السيساوي، ليخفف من وطأة قرار الحصار، الذي أضر بالمصريين العاملين في قطر، فقرار المقاطعة تم اتخاذه في بداية إجازة الصيف، حيث تسافر الأسر إلى الدوحة، أو يعود المصري إلى مصر، وقد توقفت الخطوط الجوية من وإلى القاهرة!

بعيداً عن الفكاهة في الأمر، فقد شغلني السبب وراء هذا القرار الذي يفرض إبراز البطاقة الشخصية على "رواد البارات"، لتلتقط الكاميرات بياناتها، واللافت أن أحداً لم يثر هذا الأمر على أي مستوى، فلو كان في عهد الرئيس محمد مرسي، لقيل: "يا داهية دقي"، لأن القرار يمثل اعتداء على الحرية الشخصية، ولم يضيق الرئيس محمد مرسي على الناس في هذا الجانب، ومع هذا خرجوا يعلنون خوفهم من الخطر المحتمل على الحريات الشخصية للمصريين، ولما لم يكن هناك من "داس" لأحد "على طرف"، فقد كان الخوف من أن يحدث هذا مستقبلا، بما يمثل خطراً على هوية المصريين!

في عهد الرئيس محمد مرسي، كان هناك من يجهرون بالمعصية، لكن الآن فعدم إثارتهم لهذا القرار، يرجع إلى أنهم يخافون من الحملات الإعلامية، التي هي على أبهة الاستعداد، لأن تصور المثقفين المصريين على أنهم مجموعة من شاربي الخمر، ليتم استعداء الرأي العام عليهم من هذه الزاوية، عندما تقوم الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري بالقيام بدور جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقطعا سيعلن حزب "النور السلفي" تأييده للقرار، وإن كان لم يمنع منكراً، ولم يقر معروفاً، فالأمر لا يتجاوز سوى إبراز البطاقة، وتصويرها لتكون بيانات رواد الحانات في عهدة الأجهزة الأمنية!

لكن لماذا يفعل الحكم العسكري ذلك، وهو المتحلل من أي قيمة دينية أو أخلاقية؟!
لدي اعتقاد بأن القرار مرده إلى أن العسكر لا يختلفون كثيراً عن التيارات الدينية المتشددة في رجعيتها؛ من حيث الحرص على التدخل في حياة الناس الشخصية، وفرض تصوراتها عن الدين، ألم يقل عبد الفتاح السيسي أنه المسؤول عن "دين المصريين"، وعندما يدخل العسكر مع المتشددين معركة، فهو لأن كل منهم يعتقد أنه يملك "اليقين"، التيار الديني يقينه دينيا فقط، أما العسكر فإن "اليقين الديني" جزء من كل، وبعيداً عن التوظيف السياسي للأقليات الدينية، فإن نظرة العسكر في موضوع الأقليات لا تختلف كثيراً عن نظرة التيار الديني المتشدد!

بعد الثورة، وعندما قام البعض باستغلال الفوضى الأمنية في مخالفة القانون بالاستيلاء على أراضي الدولة، والبناء عليها، بدا المجلس العسكري متسامحاً إلا عندما علم بقيام أحد الأديرة بالاستيلاء على مئة فدان، عندئذ تحركت القوات لتردع هذا العدوان، وإذا انطلقت رصاصة لتصيب أحد أفراد القوة العسكرية، فقد تم الرد على الرهبان بقوة، حرص الجميع على تجاوزها، فلم يكن في مصلحة الكنيسة أن تعلن ما جرى حتى لا يتم نشر الرواية الحقيقية وهي أن الرهبان قاموا بمحاولة الاعتداء على أراضي مملوكة للدولة

لست مشغولاً بمن يلحد، أو بمن يدخل الإسلام، لكني أعتقد أن الحاصل عندنا في مصر الآن، هو "إلحاد سياسي"، والملحد الجاد، لا يكون إلحاده إلا بعد دراسة عميقة للأديان.

ومن عاصروا أحداث ماسبيرو، سيقفون على أن الخطاب الرسمي كان طائفياً بامتياز، وهو الذي ألقته المذيعة بالتلفزيون المصري بالإنابة، وتمثل في "دعوة المسلمين" لردع المسيحيين الذين وصلت بهم الجرأة حد الاعتداء على الجيش ومدرعاته. حدث هذا إبان حكم المجلس العسكري!

الصراع -إذن- في جانب منه هو على السلطة، وعلى من يمثل الدين، ومن يعتقد أنه المسؤول عن دين البشر، والخوص في فهم الشخصية المصرية، سينتهي بنا إلى أن "تدين السلطة العسكرية الحاكمة"، لا يختلف عن تدين العاملين في الحانات، بما يدفعنا لاستدعاء مقولة: شعب متدين بطبعه!

صديق فاجأنا بأنه صار ملحداً، ونظرت إليه على أنه "حالة نفسية"، فقد كنا بعد الثورة، وكان الجميع يتكلمون في السياسة، حتى الفنانات وربات البيوت، حتى صارت "إلهام شاهين" مثلاً مرجعية سياسية كبرى، أما الفنان "طلعت زكريا"، فقد تعامل على أنه مفكر سياسي جهبذ، لمجرد أنه قام بدور "طباخ الرئيس"، في فيلم من تأليف "يوسف معاطي"! فالحديث في السياسة، بل وممارسة النضال السياسي، لا يمثل تميزاً لأحد على أحد، وأبي سفيان يحب الفخر!

لست مشغولاً بمن يلحد، أو بمن يدخل الإسلام، لكني أعتقد أن الحاصل عندنا في مصر الآن، هو "إلحاد سياسي"، والملحد الجاد، لا يكون إلحاده إلا بعد دراسة عميقة للأديان، يكتشف على إثر هذا أن لديه أسئلة لم يعثر لها على إجابات، لكن إلحاد هذه الأيام يكون بأن الشخص يبحث عن كتابات تدعم موقفه، و"تقوي إلحاده"؛ اشتقاقاً من الدعاء الشهير: "اللهم قوي إيمانك"!

كان صاحبنا يظل اليوم كله يبحث عن كتابات تطعن في الدين، عبر الإنترنت، يتلوها علينا مساء وسط ضجر الحاضرين، فلم يكن مشغولاً بضجرهم فقد كان شغوفاً بقيامه بعمل استعراضي، ولم يكتف بأنه ملحد وإنما تحول إلى داعية في الإلحاد، ويقوم بالتبشير، بدون اختيار الوقت، والأشخاص، المناسبين!

لقد وجد نفسه في "البار" ذات ليلة، وتلبسه إحساس بأنه في المكان المناسب، إذن فلينشر دعوته، وتعرف على الجالسين بجواره فوجدهم مسيحيين، إذن فلينطلق في دعوته بالهجوم على الإسلام، ثم ذكر الله تعالى بما لا يليق، وهنا وجد نفسه في مظاهرة من السكارى، وفي القلب منها هؤلاء المسيحيون الذين ظن أنهم عزوته، وعندما سأل صاحب البار ماذا هناك؟ قيل له ملحد يتطاول على الله، وارتجف الرجل وهو يقول: لم يكفيه أنه ملحد؟!.. فيتطاول على الله!

undefined

لقد أمره صاحب البار بالانصراف حالاً، ولما توقف ليخرج له الحساب، قال له: تحرم علي أموال ملحد مثلك، ولم ينس أن يخبره بأسماء الحانات التي يملكها ليحذره من دخول أي منها! وإذا جرب العودة إلى الحانة بعد عدة شهور، وذهب في حماية أصدقاء له، على مظنة أن صاحب البار حتماً سيكون قد نسى الواقعة، تم طرده للمرة الثانية، وعندما أبلغت بهذا قلت إن كون الشعب المصري متدين بطبعه، فقد حال هذا دون أن يمارس صاحبنا إلحاده، وفي الساحات التي ظن أنها أملاك الكفار!

إنها الرجعية العسكرية التي لا تبالي بما يمكن أن يقال عنها، وهي تعلم أنها لن تتهم من قبل الغرب بشيء من هذا ما دامت تسهر على حماية مصالحه في المنطقة!

وهو موقف ذكرني بخطبة للشيخ عبد الحميد كشك، روى فيها أن صاحب خمارة كانت تقع في منطقة دير الملاك، كتب على بابها عبارة: "رأس الحكمة مخافة الله"، ويعلق الشيخ على ذلك بقوله: "يبيع الخمر ويعطي الحكم!".

إنه حالة التدين الممتدة، التي تجعل من الحكم العسكري، على ما يقال عنه من أنه يحارب التدين، يقوم بالتضييق على رواد الحانات، فيكون المطلوب منهم إبراز بطاقاتهم الشخصية، لكي تلتقط بياناتها، ويوشك أن يأمرهم: "أخلع نعليك إنك بالبار"!

وسواء، يريد العسكر من جراء ذلك أن يتعرف على أصحاب المزاج في مصر من باب العلم بالشيء وفقط، أو يريد أن يتعرف عليهم لتجريسهم، في سياق الخلاف السياسي، فإن من الواضح هو أن طلب البطاقة يستهدف أن يبتعدوا عما يمكن أن يسئ لهم في مجتمع متدين بطبعه!

إنها الرجعية العسكرية، وهي أشد بأساً من الرجعية الدينية، لأن الأخيرة قد تخشى الاتهام بالتخلف، وتحريض المجتمعات المتحضرة التي تعلى من قيمة الحرية الشخصية، إنما الرجعية العسكرية لا تبالي بما يمكن أن يقال عنها، وهي تعلم أنها لن تتهم من قبل الغرب بشيء من هذا ما دامت تسهر على حماية مصالحه في المنطقة!

اللهم لا شماتة.



حول هذه القصة

FILE PHOTO: Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi delivers a statement following a meeting with French President Francois Hollande at the Elysee Palace in Paris, France November 26, 2014. To match Special Report EGYPT-POLITICS/SINAI REUTERS/Philippe Wojazer/File Photo

بعد مرور شهر على إعلان المركز المصري لبحوث الرأي العام تراجع شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي بنسبة 14% العام الماضي، حذرت الحكومة المواطنين من المشاركة في استطلاعات الرأي.

Published On 20/7/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة