في السياسة لا يوجد انتصار كامل أو هزيمة كاملة، وما حدث نستطيع وصفه بالنسبة لقطر بـ "اختبار قدرة الصمود"، وتجربة أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية والاستخباراتية التي راكمتها عبر سنوات في المنطقة ولدى الغرب تحديدًا الذي كان ساحة خلفية للمعركة مع دول الحصار.
في المقابل وجهت دول الحصار رسالة لقطر في غاية العنف، معلنين إنهم لن يقبلوا قطر بصورتها الحالية وسياساتها في نظامهم الإقليمي الذين يعملون على تشكيله في الفترة الحالية، وحتى بعد أن شارفت الجولة الأولى من المعركة على الانتهاء، فإن هذه الدول لن تمل من إعادة الكرة في أقرب فرصة، طالما أبقت الدوحة على خط استقلال سياساتها.
| مع تتالي هذه الضربات لاحظ الجميع الهدوء في نبرة دول الحصار، وهو ما قد يشير إلى إسدال الستار على نهاية الفصل الأول من هذه المسرحية. |
إحدى أهم نتائج هذه الجولة المنصرمة هو بيان الفارق بين طريقة إدارة قطر للأزمة في مقابل طريقة تعامل دول الحصار التي بدأت بشن الهجوم، وذلك على كافة الأصعدة، بداية من العويل والصياح في الإعلام، ونهاية بسقوط ورقة التوت عن دول الحصار في الغرف المغلقة.
أنهت قطر هذه الجولة بسياسة حكيمة دافعت بها عن هامش استقلاليتها، ولكن بهدوء منقطع النظير، أمام عاصفة إقليمية لو ناطحتها بنفس أسلوب دول الحصار، لكنا أمام مشهد مغاير تمامًا لما هو عليه الآن، فكم تمنت هذه الدول أن تتصرف قطر بحماقة كما فعلوا، وكم تمنوا أن تجنح الدوحة باتجاه طهران هربًا من الأزمة، لكن الاتزان القطري فوت كافة هذه الأمنيات على أصحابها.
هذا الاتزان الذي جعل قطر تفضل خسارات اقتصادية آنية بسبب الحصار في مقابل عدم خسارة أدواتها السياسية والإعلامية في المدى المتوسط والبعيد، وبفضل هذه السياسة تراجعت دول الحصار من سقف 13 شرطًا إلى 6 مبادئ عامة فضفاضة، ربما يُنتظر أن تلغى هي الأخرى بهدنة عبر اتفاقية سائلة تُبقي الأوضاع كما هي عليه في الغرف المغلقة.

تلك الجولة انتهت أيضًا بإثبات فعالية وجدارة الأدوات القطرية في الغرب بعدما ظنت السعودية والإمارات تحديدًا الاستئثار بلعبة اللوبيات، إلا أن القطريين أعلنوا عن أنفسهم بقوة في هذه اللعبة أثناء الجولة الأولى من الأزمة الخليجية، وهو الأمر الذي سبب تباين في مواقف المؤسسات الأمريكية من الأزمة بسبب الضغط من الجانبين.
| استغلت الإمارات لحظة الأزمة لإبعاد قطر عن ملف اليمن، في ظل الحديث عن اقتراب موعد التسوية في اليمن، ولكنه سيكون برؤية إماراتية هذه المرة، وهو ما كانت تعارضه قطر |
هذه المخالب القطرية في الغرب ساهمت في إقناع الولايات المتحدة وبريطانيا مؤخرًا بطرح خارطة طريق للمساعدة في حلِّ الأزمة بين تحالف دول الحصار وقطر، وذلك أثناء زيارة وزير الخارجية الأميركي للمنطقة، الأسبوع الماضي. كما أنها نجحت في صناعة رأي عام غربي ضد دول الحصار وحملتهم، بداية من مسألة إبراز مطلب إغلاق قناة الجزيرة كمطلب ضد حرية الرأي والتعبير، نهاية بفضائح التسريبات المتتالية على صفحات كبريات الصحف الغربية في شتى الملفات الشائكة. وهنا وجدت السعودية نفسها أمام ملف تمويل الإرهاب الذي تتهم به قطر، إذ أعادت دوائر صناعة القرار في الغرب فتح ملفات اتهام رجال أعمال سعوديين بدعم نشاطات وصفت بالمتطرفة، وكذلك طال الإمارات لهيب الحرب التي سعرتها، بعدما أصدرت الخارجية الأمريكية بيانًا قالت فيه "إن الجماعات الإرهابية كانت تستخدم الإمارات كمركز مالي للدعم".
ومع تتالي هذه الضربات لاحظ الجميع الهدوء في نبرة دول الحصار، وهو ما قد يشير إلى إسدال الستار على نهاية الفصل الأول من هذه المسرحية، خاصة بعد تسريبات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حول اختراق وكالة الأنباء القطرية الرسمية، وكذلك اتهام قطر الإمارات رسميًا بالوقوف خلف ذلك، تلويحها باللجوء إلى القضاء الدولي.
مسرح العمليات الخليجي لم ينتهي بعد من عروضه، وثمة تصعيد قادم لا محالة بعد أخذ استراحة من هذه الجولة العنيفة، التي لا يمكن أن يخرج منها منتصر بنسبة 100% أو منهزم بنفس النسبة، ولكنها كانت بداية لتحديد الأوزان النسبية في أي جولة لاحقة.
وكما استفادت قطر باختبار صمودها وأدواتها، مررت السعودية كذلك معضلة داخلية بلا ضجيج بعد استبعاد الأمير محمد بن نايف من ولاية العهد، وبدأت إدارة بن سلمان في ترتيب البيت الداخلي السعودي وفق رؤيتها، وذلك في خضم اشتعال الأزمة الخليجية، كما استغلت الإمارات لحظة الأزمة لإبعاد قطر عن ملف اليمن، في ظل الحديث عن اقتراب موعد التسوية في اليمن، ولكنه سيكون برؤية إماراتية هذه المرة، وهو ما كانت تعارضه قطر، ويبقى أن الخليج لن يعود إلى ما كان عليه قبل هذه الأزمة، وفي انتظار جولات أخرى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

