خاطرة في محاورة اللّغة الأبيّة

blogs اللغة العربية

ليتني كنت لأعلم سرّك، يا حبيبة قلبي، لأعلم كيف تسرقين الأفئدة وتخلبين الألباب، لأعرفك عن قرب، وأختلس من روعتك بعض ما يغطّي عن نقصي، كيف تشتغلين، كيف تجوبين صفحات الكتب، وكيف تحرّكين الألسنة وكيف توهمين النّاس بسحرك الّذي لا يقاوم، فيتقاعسون ويخملون أو تؤجّجينهم فيثورون كالموج الهادر، كيف تدغدغين مشاعر الشّعراء، ما أشدّ غرامي بما تؤلّفين من ألحانٍ وكم ولهت بتلك الأشجان. 

يا من سكنتني قبل ولادتي وأتعبت مهجتي بصرخة الحياة، أنت يا حلوتي، يا من قطفتني من بكمي المؤقّت، وأطلقت العنان للساني بعد ذاك السّبات، كيف تحوّلت من مناغاة وغرغرة ولوحات مبهمة إلى حروف حافلة بأنواع الأنغام وكلمات تفوح منها رائحة المعاني وتراكيب تنبض بالدّلالات، أحبّ اندفاعك البركاني في فوّهة صدري وانفجارك المدوّي في ردهة جوفي، وانسيابك الرقراق على صفحة لساني، وأعشق انكسارك النّاعم على جدران أسناني، أحبّك عندما تتثاقلين على كاهلي لساني بضادك فتخنقينه، وحين سمحت لميمك وباءك بالانتشار والانكسار على أطراف شفتيّ لأؤلف سيمفونية من صولفاج المأمأة ونوتة البأبأة. 

أهواك حين تتدفّقين شلّالات أفكار في سويداء عقلي، تلقّحينه بما تحملين من رحيق المواضعات، وما أحدثته فيك حدائق المجتمعات من ثقافة، حين تنخّلك أُسَاةُ الأدب، وتثقّفك مناقيش النّحاة، فيبلغ كعبك في البلاغة شأوا بعيدا تكاد المهج تفلّت لروعته ولشدّة وقعه حين يقرع الأسماع وينفذ للقلوب.

سبحان ذي الجلال مكرمك بكلامه على منوالك البديع وسننك الرّفيع، البيان بيانك وجمال الأداء جمالك، لم تزل الأعاجم- حين ذاقت حلاوتك – منبهرة بلطافة سحرك، قولي بربّك ما سرّك؟

ويعجبني شذوذك عن المتعارف عليه عند سلطات اللّغو، حين تتحرّرين من قيود المعايير على أفواه الشّعراء وكتابات الأدباء وتدوينات الكتّاب، حين أذنت لهم أن ينحتوا من كيانك منظوما ومنثورا كسبائك الذهب، ما يطير العقل ويقضى منه العجب. تتمايلين وتتراقصين وتستعيرين حللا سندسيّة، ليس لك شكل ولا هيئة ولا تثبتين على حال، يا أمّ الحروف ما أجملك حين تمتطين صهوة المجاز، ما أحلاك مرصّعة بالكنايات، ما أشدّ تحمّلك لثقافات العابرين، تعكسينها على مرآتك وتمحّتين من رطانتها الثّقيلة أكمل العبارات وأجود المصطلحات، وسعتنا أوّلا وآخرا ووسعت كلّ العلوم والمعارف. 

منذ وعيت وأنت تشبّين على لساني، وما زلت تشبّين وما أحسبك تكتهلين أو تشيخين، ومذ فكّرت بك وعقلي تزداد موارده، آه من روعتك ورقّتك حين تلامسين شغاف قلبي بأساليبك الّتي تتدفق أنوثة على ألسنة الشّعراء والشّاعرات، وحين ينسجون من ثخين غزْلك غزَلا رقيقا تطير منه القلوب وتسبح في خياله الأطياف تعيش حكاية حبّ لم تنقضي مذ كنتِ وما دمت يا حبيبتي في الوجود، بل ما دام ستكونين رفيقتنا في دار الخلود.

ألمّا ترفع من شأنك ليلة الّتنزيل وشرّفتك بتهاطل بركات التّرتيل من سحائبك الهتون، لقد باركك الرّحمن يا أنت، ومعشوقة ولد عدنان قد كنت، ما سمعنا بمثل عجائبك في الأكوان، أين أشباه اللّغات نسبا والنّازلات من صلب اللّهجات من نسبك العالي ومعدنك الغالي، سبحان ذي الجلال مكرمك بكلامه على منوالك البديع وسننك الرّفيع، البيان بيانك وجمال الأداء جمالك، لم تزل الأعاجم- حين ذاقت حلاوتك – منبهرة بلطافة سحرك، قولي بربّك ما سرّك؟ 

لماذا أنت غامضة وكتومة؟ وفي تلك العتمة جمالك، ما أعرب الجاحظ في بيانه عن عشر بيانك، وما جلّى عبد القاهر في دلائله إلّا عن بعض أسرارك، وذا سراج حازم يكاد ينطفئ في أوّل نهج منك، ما أحسب الّذي يرتادك إلّا راكبا للخطر وممعنا في السّفر عمّا قريب ينفذ زاده ويسلم إليك قياده، لا جرم، فطريقك للحب مسنون وبالغرابة مرهون وسرّك في الأزل مكنون، والإحاطة به في هذه الآزفة الدّنيّة لن يكون، وربّما لن يكون إلّا لنبيّ اصطفاه الله وأطلعه على ما فيك من أدناه وأعلاه، وتلك سنّة: علّم آدمَ الإلهُ.

يا لغتي، يا هُويّتي، لك في القلب وسطه مسكنا، وفي العقل مخيخه وطنا، لولاك لما اكتحلت عينيّ برؤيتك على صفحات المصحف، فأذني لانغلاقك كي يلامس شغاف تدبّري

هذا صمتك يتقاذفه عالم العرفان وتشتغل دوالّك ومدلولاتك على اسماع صوتك في حضرة التّبليغ والتّواصل، فتنسكب روحك خطابا تتداوله الألسن وتحتضن أفكاره العقول، خلّاقة أنت للذّوات وتتكوثرين حجاجا وجدلا وخصومات، فيتصاعد صوتك ويلعب على مشاعر التركيب والتفكيك، يشكّل دارة اتصاليّة تفضّ عوالم الدّلالات فتنتقل المعاني مشوبة بحرمة التّأويل لا تبتغ غير ما انتهكت عليه حرماتها القديمة من مدلولها الجديد المختلق.

ربّما بعثتني على التّأمل، وقدحت زند الفكر في أكوان استحالت على التّقدير فهما، وقد يؤهّلني بعض ما أملك من ثروة مفرداتك لترشيح دلالة أو دلالتين، فلما لا تسمحين لي بأن أخوض لجج بحارك وأن أغوص لاستخراج كنوزك؟ ولا يزال الكثير ممّا ترك الأوّل للآخر كي تجود به نفحاتك على فهمي القاصر بألعابك المضلّلة، يا معذّبتي، يا مؤرّقتي، يا من ملكتني أعتقيني من رقّ الإسار بك، افتحي قلبك لي وبوحي بسرّك كي أقضي لذّتي منك.

يا لغتي، يا هُويّتي، لك في القلب وسطه مسكنا، وفي العقل مخيخه وطنا، لولاك لما اكتحلت عينيّ برؤيتك على صفحات المصحف، فأذني لانغلاقك كي يلامس شغاف تدبّري، واكشفي لي عن ساق المعنى كيف أفوز بك يا مقلة بصيرتي.