البوابات الإلكترونية في الأٌقصى.. لماذا لا؟

blogs - البوابات الإلكترونية في الأقصى
"ولماذا تغضبكم البوابات الإلكترونية؟ وما الجديد فيها ونحن نعلم أن الاحتلال يسيطر بالفعل على بوابات الأقصى ومداخله؟!" هكذا بدأ ذلك الشخص حواره معي في مسألة البوابات الإلكترونية التي أقدم الاحتلال الصهيوني على نصبها أمام بوابات المسجد الأقصى المبارك، والواقع أن هذا الاستفسار الساذج لا ينفك عدد لا بأس به يردده حتى من بعض المحسوبين على أهلنا في القدس اليوم، خاصةً من الذين لا يرون غضاضةً في محاولة تحميل الشباب المقدسي الرافض لبدعة البوابات الإلكترونية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع بدلاً من تحميلها للمسؤول الحقيقي عن كل ما يحدث، أي الاحتلال.

لنعد إلى أصل القضية، وهنا لا أعني العملية التي حدثت يوم الجمعة الماضي في المسجد الأقصى المبارك، بل أصل القضية يرجع لعام 1967م، عندما تم احتلال المسجد الأقصى ومحاولة إدخاله تحت إدارة وزارة الأديان الإسرائيلية، لولا الموقف الذي لا ينساه التاريخ للشيخ سعيد صبري (والد الشيخ عكرمة صبري) مؤسس الهيئة الإسلامية العليا التي أدارت الصراع في تلك المرحلة أسبوعين كاملين حتى رضخت قوات الاحتلال وسلمت المسجد مرة أخرى للأوقاف الإسلامية الأردنية، ليدخل الأقصى المبارك في ذلك الوقت ضمن حالة الوضع الراهن (status qou) التي تعني بقاء كل شيء على ما هو عليه في حالات الاحتلال، علماً أن هذا الاحتلال بالذات لم تعترف به أي دولة في العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الأكبر لدولة الاحتلال.

تحولت الآلة الصهيونية في السنوات الأخيرة إلى التركيز على محاولة تغيير الفضاء البصري للقدس وإقحام الصورة اليهودية، وعند فشل ذلك، ركزت دولة الاحتلال على ضرورة حسم مسألة المسجد الأقصى بالذات.

منذ ذلك الوقت بدأت سلطات الاحتلال تحاول الدخول كشريك في إدارة المسجد الأقصى المبارك إلى جانب دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية، وذلك ضمن حملةٍ طويلة الأمد تحاول إقحام اليهود في كل ما يتعلق بشؤون المسجد الأقصى من خلال دعايات مختلفة كحرية الديانات وضمان التعبد وغيرها. ومن هنا كانت دولة الاحتلال تبتدع في فترات متلاحقة أفكاراً مختلفةً تحاول من خلالها تغيير الوضع القائم في الأقصى دون النظر إلى مفهوم الوضع القائم نفسه، فتغيير الوضع القائم في منطقة حائط البراق على سبيل المثال -وهو جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى- تم عام 1967 دون ضجيج كبير في ظل الهزيمة العربية المنكرة في حرب 67.

بعد أربعين عاماً من الاحتلال، انتبهت دولة الاحتلال إلى أن مشروعها في القدس وفي المسجد الأقصى المبارك يعتبر فاشلاً، ذلك أن الفضاء البصري العام لمدينة القدس لا يزال حتى اليوم عربياً إسلامياً مسيحياً تبرز فيه أهم المعالم الإسلامية والمسيحية دون فضاء بصري يهودي، وبذلك تحولت الآلة الصهيونية في السنوات العشر الأخيرة إلى التركيز على محاولة تغيير الفضاء البصري للقدس وإقحام الصورة اليهودية في المدينة من خلال بناء الكنس المرتفعة المختلفة، وعند فشل ذلك الذي تسبب فيه هيمنة المسجد الأقصى على المدينة كلها دينياً وبصرياً واجتماعياً وسياسياً، ركزت دولة الاحتلال على ضرورة حسم مسألة المسجد الأقصى بالذات، وساهم في ذلك صعود اليمين الصهيوني المتطرف المهتم بقضية المعبد المزعوم الذي يمتلك اليوم 14 مقعداً في الكنيست وحقائب وزارية موالية له دون مواربة، وضمن هذا السياق جاءت فكرة البوابات الإلكترونية لتطرح بشكل علني أول مرة عام 2015، وفي ذلك الوقت تم إفشال المشروع بوقفة مقدسية مشرفة، تبعتها محاولة نشر كاميرات داخل المسجد عام 2016، وتم إفشالها أيضاً بالجهود الشعبية، واليوم تعود هذه القضية للواجهة مرة أخرى بعد عملية يوم الجمعة الماضي، والتي اتخذتها دولة الاحتلال ذريعةً لتحريك هذا الملف وتطبيقه.

ماذا لو قبل شعبنا أو تنازل في موضوع البوابات الإلكترونية أو الكاميرات داخل المسجد الأقصى أو غيرها من الإجراءات التي يمكن أن تغير الوضع الراهن الذي يعيشه المسجد، والذي هو أصلاً في غاية الصعوبة.

إذن فالموضوع ليس وليد اللحظة، وفكرة البوابات لم تأت بسبب عملية الجمعة، وإنما هو مشروع قديم أعيد تفعيله واستغلال الظرف الدولي والإقليمي والعربي لتنفيذه حالياً، ووجود هذه البوابات اليوم يعني بالضرورة دخول دولة الاحتلال كشريك أساسي في إدارة شؤون المسجد الأقصى المبارك، وهنا قد يظن شخص أنه لا فرق بين سيطرة الاحتلال على بوابات المسجد الأقصى من خلال شرطتها المنتشرة خارجه وبين سيطرتها على البوابات من خلال نشر البوابات الإلكترونية. والواقع أن بين الحالين فرق كبير؛ ففي الحالة الأولى لم يكن للاحتلال أكثر من احتجاز الهويات وإزعاج المصلين بوجودهم أمامهم!

أما في حالة البوابات الإلكترونية فإن الأمر أخطر من ذلك، حيث إنه على المدى القصير فإن السيطرة الإسرائيلية على البوابات تصبح كاملةً بحيث يدخل المقدسيون للأقصى واحداً تلو الآخر مع تفتيش دقيق معدني، ويرجع الشخص أكثر من مرة كلما تم تشديد حساسية لاقط المعادن، بمعنى أن دخول الآلاف لصلاة الجمعة مثلاً سيستمر ساعات طويلة ومهينة، وأهلنا في القدس يعرفون ماذا تعني البوابات الإلكترونية لأنهم يعايشونها يومياً أمام بوابات وزارة الداخلية الإسرائيلية. كما أن شبح هذه التجربة القاسية في المسجد الأبراهيمي في الخليل لا زال يطارد خيال الفلسطينيين، فإن الأمر بدأ بهذه البوابات الإلكترونية على باب المسجد الإبراهيمي، والتي يتم إذلال الداخلين للمسجد من خلالها – وقد تعرضت لهذا الموقف عدة مرات وأعرف ماذا يعني – ثم انتقل الأمر لتقسيم المسجد بين المسلمين واليهود بعد مجزرة عام 1994، وصولاً إلى إعلان المسجد الإبراهيمي "جزءاً من التراث اليهودي" عام 2009، بمعنى أنه أصبح في العرف القانوني الصهيونية اليوم كنيساً يسمح للمسلمين بالصلاة فيه، بعد أن كان مسجداً يسمح لليهود بالصلاة فيه.

هذا ما يمكن أن يحدث لو قبل شعبنا أو تنازل في موضوع البوابات الإلكترونية أو الكاميرات داخل المسجد الأقصى أو غيرها من الإجراءات التي يمكن أن تغير الوضع الراهن الذي يعيشه المسجد، والذي هو أصلاً في غاية الصعوبة، ولذلك فإن شعبنا الفلسطيني في القدس أخذ الموضوع على عاتفه وقالها بالفم المليان: (البوابات.. لأ).

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان