الإبادة الحضارية

مدونات - الإبادة

كشف حصار الأشقاء لدولة قطر؛ بهذا التحدي السافر في النيل من كل الثوابت المتجذرة في النفوس العربية الخليجية، والضاربة عمقاً وطولاً في التاريخ، وعرضاً في الجغرافية؛ عن حجم المؤامرة والصراع الذي تحول إلى أخطر مراحله، وهو الصراع الحضاري؛ الذي بشر به صامويل هنتنجتون، وهدفه الذي كشفت عنه الأيام: هو ابادة الحضارة العربية والإسلامية، وقيمها المتأصلة في نفوس العرب والمسلمين.

إن ما يحدث الآن ما هو إلا إعادة ترتيب أوراق المنطقة، وهو "ليس استعماراً، لأن الاستعمار احتلال لدولة من أخرى، ويبقى للدولة المحتلة كيانها الذي يُقاوم الاستعمار، ولكن ما يحدث الآن هو إبادة حضارية"، ومظاهرها وتجلياتها: " تفكيك الكيان التاريخي الاجتماعي للدول، وتحلل الهوية، وتدمير لمعوقات وجود الأمة". كما يقول الدكتور رفيق حبيب في التغيير الصراع والضرورة.

وأرى أن مخطط الإبادة الحضارية قد بدأ مبكراً، إبان دحر الاستعمار الغربي العسكري منتصف القرن العشرين، ليستكمل مشوار المستعمر في السيطرة على مقدرات وثروات وجغرافية العالم العربي وحضارته، خاصة بعد ثبات ومقاومة الشعوب العربية المكافحة من أجل نيل حريتها وسيادتها، وبذلها في سبيل ذلك كل غال ونفيس، ووقوفها صداً منيعاً، حال دون تنفيذ هذا المخطط الإجرامي.

وقد بدأت خطوات الإبادة الحضارية لأمتنا، من زرع المستعمر لليهود الصهاينة في قلب الوطن العربي، وإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، على أنقاض قراها ومدنها المهدمة، وفوق جثث آلاف الشهداء من أبنائها، نتيجة المجازر الوحشية التي نفذتها العصابات الصهيونية المتطرفة بالقتل والتهجير واغتصاب ونهب الأرض، وصناعة الهولوكوست الفلسطيني الرهيب.

بما أن التطبيع والمقاومة متضادتان. فمن يعترف بالأول يجب عليه أن يُجرم الثانية، وينعتها بالإرهابية، والتخريبية، ويُصَّدر لها كل مشاكله الداخلية، بل ويحاكمها قضائياً.

وبعد أن غرست إسرائيل مخالبها في قلب الوطن الجريح، بدأت في الإبادة الحضارية بالتزامن مع الإبادة البشرية، والخطورة في أن يتحول الصراع العربي مع إسرائيل من صراع عسكري إلي صراع حضاري، وهذا ما تعمل عليه إسرائيل جاهدة.

وبدأت عمليات التهويد للأرض والمقدسات، وصناعة تغيير ديموغرافي، وجيوسياسي جديد، وتغيير في هوية المدن التاريخية الفلسطينية وطمس معالمها، ونهب آثارها، واستبدال أسماءها بأسماء يهودية، للفصل بين الأجيال الجديد وبين تاريخها وحضارتها، وحقها في العودة إلى ديارها! ثم بدأت إسرائيل في التشجيع على التطبيع، لتتمكن من الهيمنة الحضارية في ظل الاعتراف بها والتعاون معها، ولكسب الوقت بعيداً عن الصراعات العسكرية، وتخفيض ميزانية التسليح لصالح التنمية والتصنيع والتكنولوجيا.

ولقد كشف حصار قطر وجهاً مهماً ظل مخفياً لسنوات لهذا التطبيع، من دول ظلت رافضة له، بل وداعمة للمقاومة الفلسطينية المواجهة لهذا المخطط. ولكن الحال تبدلت، حتى أصبح التطبيع ضرورة الوقت بالنسبة لهذه الأنظمة، سداداً لفاتورة الوساطة لدي صانع القرار الأمريكي، لتقديم الدعم حتى يتربع هؤلاء المطبعين على عروش وكراسي الحكم في بلدانهم، والدفاع عنهم دولياً، أو الصمت على أفعالهم!

وبما أن التطبيع والمقاومة متضادتان. فمن يعترف بالأول يجب عليه أن يُجرم الثانية، وينعتها بالإرهابية، والتخريبية، ويُصَّدر لها كل مشاكله الداخلية، بل ويحاكمها قضائياً. وأصبحنا اليوم نرى ونسمع صديق الأمس الذي كان يرحب بقادة المقاومة في بلاده، يُجَّرمها اليوم ويصفها بالإرهاب.
كما استعان الغرب لتنفيذ مخططهم، بصناعة الطائفية، والحزبية، والمذهبية، التي هيمنت وحكمت في عدد من بلاد العرب؛ والتي أوجدت بدورها التخلف والجهل والفقر والمرض، حتى يظل العالم العربي والاسلامي عاجزاً أبداً عن المقاومة والسباق الحضاري!

وفي الوقت الذي تقدمت فيه إسرائيل عسكرياً وعلمياً وتكنولوجياً وصناعياً، قامت أنظمة التطبيع والخضوع بالحيلولة بين الشعوب وبين السباق والمواجهة والتقدم والمنافسة، حتى تتحول أمتنا إلي أمة مهزومة مقهورة ومنهارة، كي يتمكنوا من اغتيال الأمة في الأخير. واستخدم الغرب الإمبريالي قبل إجباره على الجلاء والاستقلال الشكلي لمستعمراته، رجاله؛ هؤلاء الذين تربوا علي عينه، وترعرعوا في مستعمراته، وانبهروا بحضارته ليقوموا باستكمال مع بدأه المستعمرون، تبعا لسياسة تغيير الممثل وثبات الدور.

كلما دخلت قرية أو مدينة أفسدتها، وجعلت أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون (وكالة الأنباء الأوروبية)
كلما دخلت قرية أو مدينة أفسدتها، وجعلت أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون (وكالة الأنباء الأوروبية)

وبدأ هؤلاء الرجال بالانقلابات العسكرية المدعومة، وهيمنوا بقوة السلاح، والفتك، وكثرة القتل والمجازر والتدمير، وبدأ حكم الفرد الشمولي الذي جثم على صدر الوطن ومواطنيه لسنوات طويلة امتد بعضها لأربعة عقود، عملوا خلالها على إلغاء الأحزاب وكتم الأصوات، وإلغاء الحياة السياسية والدستورية، مما كانت نتيجته سيطرة رجال الأعمال الفاسدين على مقدرات الوطن، وزاد الفقر، وانتشر الجهل والمرض، وتأخرت التنمية، وانهار الاقتصاد، وكثرت الديون، وهربت العقول العلمية إلى الغرب الذي فتح لها ذراعيه وجامعاته! ومن أمثال هؤلاء: عبد الناصر في مصر، والقذافي في ليبيا، وعلى صالح في اليمن، وبن على في تونس.

وفي بلاد أخرى، هيمن الحزب الواحد الشمولي كحزب البعث الاشتراكي، في سوريا بزعامة حافظ الأسد، ووريثه بشار، وصدام حسين في العراق. وفعلا مثلما فعل الأولون. ثم جاء دور الممثل الجديد القادم هذه المرة من الخارج، تحت اسم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) التي انتشرت بسرعة كبيرة في الآفاق، وبشكل غريب وعجيب، حتى لو عثر رجل في أي مكان بالعالم لأعلنت بأنها وراء سقوطه!

وتُركت حتى توغلت، وبدأت في تنفيذ مخطط الإبادة الحضارية المرسوم لها، فكلما دخلت قرية أو مدينة أفسدتها، وجعلت أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون. فهدموا المعابد والمتاحف، وكسروا التماثيل، ودمروا الآثار، وحرقوا المكتبات، وعاثوا فساداً بالمخطوطات النادرة، وهدموا المساجد التاريخية ومآذنها وأساطينها الصامدة منذ مئات السنين.

المطلوب هو النيل من تاريخ هذه الأمة، وتدمير إحساسها بذاتها، وضرب قوتها الداخلية.. المطلوب هو هزيمة الأمة، وإلحاق الخزي والعار بها، وتركيع الحكومات، وضرب المقاومة الإسلامية.

وآثارهم الإجرامية في تُدمر السورية وتدمير آثارها القديمة، وفي حلب الشهباء ومساجدها التاريخية، وفي حمص وغيرها من مدن وحواضر سوريا، وفي البصرة: حرقت المكتبات العريقة، وهدمت المساجد القديمة، ونهبت آثارها وهربتها عبر إسرائيل إلى الغرب، وغيرها من مدن وحواضر العراق، وأطلال قلاع اليمن وتاريخه المدمر في مدنه وحواضره التاريخية؛ كلها شاهدة على أنها لم تكن حرباً عسكرية، ولا صراعاً ضد الارهاب. بل هي حرب إبادة حضارية، اشتركت فيها كثير من الأطراف، منها أنظمة التطبيع العربية، التي تصنع البروباغندا، لتمرير حالات الانتهاك، والتغطية على حجم التدمير والخراب. حتى أن حيدر العبادي وقف منتفشاً على أطلال البصرة، بعد تدميرها بالكامل؛ ليتباهى بانتصاره على داعش، ودحر الارهاب!  كل ذلك يتم باعتداء وحشي ضد الأبرياء، وإذلال ومهانة للرجال والنساء، وصمت دولي، وتأييد أمريكي معلن، وحماية شرعية دولية وضمانة من أية إدانة.

وفي حصار قطر كان الالتفاف على آخر الاتحادات العربية، وأقوى المناطق المتماسكة والمستقرة، لما يجمع بين شعوبها من عادات وتقاليد ومصاهرة وتداخل قبلي وعشائري. فبدأ الحصار عنيفاً رسمياً بإغلاق الحدود البرية والجوية والبحرية، وفي مطالب دول الحصار المستحيلة، وإعلامياً بالسب واللعن، وصنعوا بذلك شرخاً كبيراً من الصعب علاجه أو التئامه، ومآسي إنسانية من الصعب أيضاً نسيانها أو تجاوزها.

"إن المطلوب بالفعل ليس الأرض فقط، ولا الشعوب أو الثروات فقط، بل المطلوب: هو النيل من تاريخ هذه الأمة، وتدمير إحساسها بذاتها، وضرب قوتها الداخلية.. المطلوب هو هزيمة الأمة، وإلحاق الخزي والعار بها، وتركيع الحكومات، وضرب المقاومة الإسلامية، بالتزامن مع حرب شرسة ضد الحركات الإسلامية والمشاريع الإسلامية، بل والإسلام نفسه". رفيق حبيب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان