أقرب مما تتوقع

blogs قريب

اليوم قررت أن أجلس على تلك الدكة بعد صلاة الفجر، لقد اكتشت سراً عظيماً، وكنزاً لم يكن يعلمه آلاف الناس ممن يمرون على الدكة صباح مساء، كان قيّم المسجد ومعه نفرٌ يسير هم من يعرفون ذلك الكنز الثمين، فقد كنت أراهم يجلسون بعد صلاة الفجر في صفاءٍ وسكينة، تاركين نعالهم بجانبهم وجالسين ببساطة وفي أيديهم السبحات، اليوم وبدون سابق إنذار خرجت من المسجد فذهبت إليها وجلست عليها، فالمكان يتسع للجميع، وحينها حظيت بتلك الدقائق التي غمرت قلبي بالسعادة وصعدت بروحي في مدارج الجمال.

نسمات الفجر، حفيف الأشجار، زقزقة العصافير، تسبيح وذكر يغمر القلب بالحب الإلاهي، سعادة لا يمكن وصفها، فالكلمات لا تستخدم عند هذا المستوى الرفيع، لن يفهم كلامي إلا من ذاق وجرب، بالتأكيد لو أن قيم المسجد المسن يقرأ كلامي الآن لربما فهم أكثر مما أعنيه وأرمو إليه، فهو ملتزم بطقوس دكته تلك منذ زمن يعلمه الله، أما أنا فضيف دخيل لمَست يده صندوق الكنز العظيم.

يا لها من دكة عجيبة، أراها ليل نهار، أمر بجانبها في كل صلاة، كم كانت قريبة، وكنت عنها بعيد، كم كانت حاضرة وكنت عنها غائب، كم هي المرات التي نبحث فيها عن المبتغى وهو أقرب مما نتوقع، نذهب، نسافر، نخوض، وحين نعود خائبين نجد ما كنا نبحث عن قابعٌ في مستقرنا الأول، فقط لم نكن نلتفت إليه ولم ننظر بعيون عقولنا نحوه.

قبل أن يموت، تأتيه ذكريات الشباب حين كان في بداية الطريق، ما أمضى حياته بحثاً عنه كان هناك عند خط الانطلاق، من شدة تركيزه لم ينتبه إليه، من شدة تفانيه في المضي نسي أن يراه

يدخل الأب منزله، يصرخ في وجه أطفاله، يتعامل معهم في الليل والنهار بالأوامر العسكرية، وحين يلتقي بصديقه يبدأ بالشكوى، من تعب الأولاد ومشاكلهم التي لا تنتهي، لو أنه عوّد قدميه أن يأخذهم في نزهة دورية، في حديقة جميلة وبين أشجار خضراءٍ يانعة، ثم ترك للطفل الذي بداخله أن يخرج، فيلعب ويمرح معهم بكل صدق، لعب الطفل مع الطفل والرفيق مع رفيقه، وبعد أن يغزو التعب أجسادهم، يستلقون جميعاً وأعينهم تنظر إلى السماء، والسعادة تغمر قلوبهم جميعاً، أرأيت يا صديقي، أرأيت أن أحد مصادر السعادة الثمينة هي قريبة منا كثيراً، في منازلنا، هي جزء من حياتنا، لكن للأسف نحن عنها غافلون.

ابحث في اليوتيوب وتابع بعض قنوات المهاجرين العرب في كندا وبريطانيا وأمريكا، ستجد الكثير منهم له فيديو أو أكثر وهو يتحدث عن نيته في العودة إلى الوطن، ثم انزل تحت لتقرأ كلمات المعلقين ولومهم الشديد؛ أترجع بعد أن ضحيت بالكثير حتى تصل إلى هناك، أتعود إلى هذه البلدان التي غرقنا فيها عناءً وتعباً، يشرح لهم فلا يفهمون، ثم حين يمضي أحدهم في الطريق وتعصرة الحياة بعيداً عن أهله وأحبابه، يكتشف أن ما كان يبحث عنه ليس هناك بين الثلوج الباردة، بل هنا وسط القلوب الدافئة.

يتحدث دائماً عن الزواج بثانية، تراوده نفسه بين الفينة والأخرى، يصبح مطلباً عزيزاً سيحيل حياته إلى جنة -أو هكذا يظن-، ثم يتزوج، ويمضي شهر العسل، ويليه سنة ملل، ثم يواجه الحقيقة المرة، أن جنته كانت معه، لم يكن يعيرها انتباهه، شغف الانتقال للخطوة التالية أعماه عن النظر لما لديه، فيكتشف ذلك لكن بعد أن تتعقد أمامه الحياة، فتصبح المسؤولية أثقل والمطالب أكثر، وليس أمامه من خيار سوى المضي وإكمال المشوار.

قد يكون مصدر سعادتك المطلق قريبٌ منك جداً، أقرب إليك من حبل الوريد، وأنت عنه غافل، تبحث عن السعادة في كل شيء إلا منه

آه من رحلة النجاح التي لا تنتهي، اللهث وراء المال والمنصب والمكانة الاجتماعية، سيارة ثم بيت ثم سيارة أفضل ثم بيت أوسع ثم ……الخ، وقبل أن يموت، تأتيه ذكريات الشباب حين كان في بداية الطريق، ما أمضى حياته بحثاً عنه كان هناك عند خط الانطلاق، من شدة تركيزه لم ينتبه إليه، من شدة تفانيه في المضي نسي أن يراه، كان قريباً منه لكنه ابتعد كثيراً عنه، وحينها يطلق تنهيدة عميقة، ثم يغني: ألا ليت الشبابُ يعود يوماً …..

قد يكون مصدر سعادتك المطلق قريبٌ منك جداً، أقرب إليك من حبل الوريد، وأنت عنه غافل، تبحث عن السعادة في كل شيء إلا منه، وهو الرحيم الذي يناديك "وأنيبوا" وهو الكريم الذي يدعوك "وأسلموا"، هل ترى ذلك المسجد القابع في حارتك، نعم نعم، لا تبحث بعيداً فتتوه، اغمر روحك بداخله كل يوم قبل أن تنطلق نحو صناعة الحياة وبناء المستقبل، جد روحك فيه فلن تجدها في غيره، ابحث لك عن دكة بالقرب منه، ثم اجلس وتأمل وفكر فيما لديك بالفعل، فلديك الكثير، وما تبحث عنه قد يكون قريب، أقرب مما تتوقع.