وقفة مع البطل الخطابي في ذكرى أنوال

blogs-عبدالكريم الخطابي

مع حلول الذكرى السادسة بعد التسعين لمعركة أنوال التي قادها البطل المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي في حرب الريفيين المغاربة ضد الاحتلال الإسباني، يستحضر التواقون إلى الحرية في العالم بأسره أمجاد وبطولات هذا الرجل الذي قضى حياته جلها في الدفاع عن وطنه أيام الاستعمار أوائل القرن الماضي.

كان محمد بن عبد الكريم الذي درس بالقرويين في فاس قبل أن يعرج على مليلية حيث عمل معلما وصحافيا يعلم علم اليقين أن حلم الاستقلال سيتلاشى كليا بعد أن فرضت الحماية على المغرب سنة 1912، فكان أول ما فعله أن بادر إلى جمع قبائل الريف ودعاها إلى نسيان كل الخلافات الضيقة وتغليب مصلحة الوطن عليها.

في الضفة الأخرى، كان الإسبان ينظرون إلى غزو الريف المغربي تماما كما لو كان نزهة سياحية إلى درجة أن وصلت الغطرسة بالجنرال الإسباني سيلفستر إلى حد التنبؤ باحتساء الشاي في قلب منزل الخطابي بعد يوم أو يومين من بدء الهجوم على الريف. لم تكن لدى المجاهد الخطابي أدنى رغبة في الانفصال، وحدهما أنفته ورفضه الخنوع للمحتل الإسباني من حركا في نفسه مشاعر الغيرة، هو حب الوطن والخوف من أن تقع أرض الريف في يد الاحتلال الإسباني .

لم يكن الخطابي شخصا عاديا، بل كان رجل سياسة فذ وقائدا عسكريا رفيعا، وقد اتضح ذلك حينما استغل وعورة تضاريس منطقة الريف المغربي من أجل استدراج قوات الاحتلال معتمدا على عنصر المباغتة.

ليس الغرض هنا إعادة جرد كرونولوجيا الأحداث التي طبعت حياة الرجل ونحن على علم بحجم التضحيات التي قدمها والحنكة القيادية التي أبان عنها، وكيف شهدت شخصيات وازنة قادت حركات تحررية عبر العالم من قبيل ماوتسي تونغ وتشي جيفارا بالذكاء الذي أدار به الخطابي معارك الريف ضد قوات الاحتلال الإسباني رغم التباين المهول على مستوى موازين القوى. ما يهمنا ونحن نستذكر بشيء من الفخر أمجاد ابن أجدير هو استلهام العبر والدروس من شخصية محمد بن عبد الكريم.

الوطنية
أولى هذه الدروس هي الوطنية، الراسخون في علوم التاريخ يتفقون على أن الخطابي لم يكن يهدف إلى الانفصال عن المغرب حينما قرر تأسيس ما عرف بجمهورية الريف المستقلة، بل ظروف المرحلة وإكراهاتها هي من أفتت هذا المستجد، فالسلطة في المغرب كانت تحت سيطرة الحماية الفرنسية، لا حول ولا قوة لها. لقد كانت عاجزة عن الوقوف ضد الاحتلال بينما كان الريفيون يجمعون المجد من كل الأطراف، صاروا معه في موضع قوة خصوصا بعد النصر العسكري في موقعة أنوال المظفرة التي حاول الخطابي أن يترجمها على شكل نصر سياسي تجسد في إعلان كيان جديد كان من بواعثه أيضا رفض السلطات الرسمية توسع المقاومة الريفية إلى فاس، وهو ما خلق حالة من فقدان الثقة بينهما، لكنها لم تتطور يوما إلى تشكيك في الوطنية، بل على النقيض من ذلك، فقد مثلت زيارة الملك المغربي الراحل محمد الخامس إلى القاهرة والتقاءه بمحمد بن عبد الكريم اعترافا ضمنيا بما أسداه هذا الرجل للريف كجزء من وطنه قاطعا الطريق على كل التأويلات المحاذية للصواب التي يتحدث فيها البعض عن نوايا انفصالية .

الثقة في النفس والتوكل على الله 
لا نجد في تاريخنا الحديث تجسيدا أبلغ من نصر أنوال لقول الله تعالى في سورة البقرة "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ"، فبعدة وعدد قليلين قلب أهل الريف الطاولة على الإسبان المدججين بالسلاح. ربما كان الريفيون فقراء عسكريا، لكنهم كانوا أغنياء إيمانيا وأخلاقيا، لقد تمكن الخطابي من أن يبين أن المعارك ليست مواجهات مادية فحسب، بل هي صراعات تحكمها قوى معنوية وروحية لا رابط يجمعها بالقوة العسكرية.

الذكاء وحسن الإدارة 
لم يكن محمد بن عبد الكريم الخطابي شخصا عاديا، بل كان رجل سياسة فذ وقائدا عسكريا رفيعا، وقد اتضح ذلك حينما استغل وعورة تضاريس منطقة الريف المغربي من أجل استدراج قوات الاحتلال معتمدا على عنصر المباغتة. لقد كان واضحا أن أية خطة عسكرية أخرى كانت ستغلب كفة الإسبان الأقوياء عسكريا. لجوء الخطابي إلى ما يعرف بتقنية حرب العصابات عكس نوعا من الذكاء في إدارة هذه المعركة وهو الذي كان معروفا بهدوء لم يكن يوحي بشخصيته الثورية.

الخطابي الذي ذاق مرارة المنفى في جزيرة لارينيون وبعدها في مصر قال في غير ما مرة: إنه لم يكن يرغب في أن يصير أميرا أو سلطانا، ولكنه كان يسعى أن يرى شمس الحرية محصحصة مشعة.

مما يدل على حسن الإدارة التي ميزت هذا المجاهد قراره بالاستسلام عقب التحالف الفرنسي الإسباني.. فقد علم أن مواصلة القتال ضد قوتين عسكريتين شرستين كانتا تتلذذان بقصف ساكنة الريف بالسلاح الكيماوي المحظور دوليا، لم يكن ليخدم مصالح المغاربة، بل كان سيحكم عليهم بنهاية مأساوية.. فكان من الحكمة والاستبصار الاستسلام كأقل الحلول سوءا بالنظر إلى معطيات الميدان.

الخطابي الذي ذاق مرارة المنفى في جزيرة لارينيون وبعدها في مصر قال في غير ما مرة إنه لم يكن يرغب في أن يصير أميرا أو سلطانا، ولكنه كان يسعى أن يرى شمس الحرية محصحصة مشعة، هكذا كان هذا الشيخ المجاهد محبا لأرضه ودينه وحريصا على الدفاع عن قيم الحرية والكرامة الإنسانية. ونحن نتذكر أمجاد هذا الرجل العظيم، فإننا لا نتغنى بمنجزات ماضية بقدر ما نرجو أن نقتبس من حياته ما يحفزنا، علنا نجعل من دروس التاريخ عبرا للحاضر والمستقبل. 

توفي الخطابي سنة 1963 وترك وراءه إرثا ثقيلا، هذا هو حال المعادن الأصيلة تفنى من الدنيا، لكنها تبقى حية في القلوب. أما سيرته وبطولاته، فنحن في حاجة إلى النظر إليها من خلال قولته المعروفة "فكر بهدوء واضرب بقوة".. من يدري؟ فقد نضرب يوما ما بقوة!