كان أوّل عملٍ يكتبه العلاّمة محمد إقبال (1877-1938م) هو "تطور الفكر الفلسفي في إيران: إسهام في تاريخ الفلسفة الإسلامية." الذي كان رسالته للدكتوراه (ألمانيا 1908) وقد طبع في لندن (1908)، وأعادت أكاديمية إقبال في باكستان طبعه في (2001). كتبه في عمر الخامسة والثلاثين، وهو أولى ثمار الغرس الأدبي والفلسفي. أهداه لأستاذه توماس آرنولد، وطلب منه أن يقيمه بروح الحرية التي طالما قيمه بها من قبل.
لقد سبق المستشرقون إلى التأريخ للفلسفة الإسلامية، واختطوا لأنفسهم منهجًا يتفق وأغراضهم، وعرّفوا الفلسفة الإسلاميّة تعريفًا يحيلها على موضوعات الفلسفة اليونانيّة؛ ولذلك فقد مضوا يتعقبون الفلسفة الإسلاميّة عند المشائين: الكندي والفارابي ومسكويه وابن سينا وابن رشد. وبما أنّ اهتمامهم كان منصبًّا على الفلسفة المشّائيّة، فقد حكم المستشرقون على الحضارة الإسلاميّة حكمًا، مفاده أنّها لم تنجب فلسفة أو فلاسفة؛ لأنّ أبناءها من ذلك الجنس الساميّ، الذي لا يقدر على نظم التفاصيل المتناثرة في أنساق فكريّة مكتملة وشاملة، وظلّت هذه المقولة تمثل تحدّيًا كبيرًا للدارسين من العالم الإسلامي حتّى منتصف القرن العشرين.
يُلاحظ أنّ محمد إقبال لم يذكر هذه السياقات صراحةً، على الرغم من أنّه تتلمذ إلى المستشرقين، ولكنّ استبطانه لهذه النظرية ودحضه لها بأسلوب غير مباشر، يرجح معرفته ووعيه بها، ولا أظنه اختار هذا الموضوع، وهو التأريخ للفكر الميتافيزيقي الإيراني، إلاّ لأنّه هو السؤال الفلسفي الإسلامي في عصره. إنّ منهجه لم يكن منهجًا مدافعًا. لقد ضرب صفحًا عن مقولات المستشرقين بعدم أصالة الفلسفة الإسلاميّة، وبدأ في خطوات واثقة هادئة بناء تاريخ للفلسفة الإسلامية في أرضٍ جديدة لم تطأها أقدامهم، هي بلاد فارس.
تناول إقبال الفكر الإيراني في مراحله المتعاقبة، الزرادشتيّة، المانويّة، المزدكيّة، الأفلاطونيّة المحدثة الأرسطيّة، المعتزلة، الأشاعرة، الصوفيّة، الإشراق، العصر الحديث. وقد حاول جاهدًا أن يضع هذه الحلقات في إطارٍ واحد، مبينًا مدى تأثير كل حلقة في التي تليها. ولنوجز سريعًا ما طرحه إقبال، إنّه يحاول أن يكتشف كيف أجاب الفكر الإيراني في مراحله المتعاقبة، عن سؤال: كيف يخلق الواحد الكثرة، وكيف نتصور ما بعد الطبيعة، ونبني عليها تصورنا للطبيعة؟

لقد كان الفكر الفارسي يقاوم نوعين مختلفين من الثنوية: الثنوية المجوسيّة قبل الإسلام، والثنويّة الإغريقيّة فيما بعد الإسلام. ثم تتبّع إقبال جهود مقاومة الثنوية الإغريقية بعد الإسلام، من خلال فكر المعتزلة والأشاعرة والمشائين، ولكنه يعتبر أنّ الفكر الفارسي قد ارتدّ إلى الثنوية الإيرانيّة القديمة بين النور والظلمة في مذهب الإشراق، ثم اتجه المفكرون اللاحقون إلى رفض الأفلاطونيّة المحدثة، واكتشاف الأفلاطونيّة الحقيقيّة. وتمثل البابية آخر حلقات الفكر الإيراني الحديث في عصر إقبال، والتي رآها تلفق بين جميع الاتجاهات الفلسفيّة والدينيّة محاولة أن ترتفع بالروح إلى حقيقة الأشياء.
ثمّة ملاحظات أساسيّة يمكن أن نذكرها بين يدي هذه الرسالة: أولاً، إنّ إقبال كان يرمي إلى تقديم نموذجٍ أصيلٍ للتفكير الفلسفي الإسلامي، هو النّموذج الإيراني، ونرجح أن الدوائر الاستشراقيّة الأوروبيّة كانت هدفه، دلّ على ذلك حرصه على تبنّي اصطلاحات الفلسفة المعاصرة، وتسميته الاتجاهات الفلسفيّة الإسلاميّة بها، وقد صرّح بذلك في مدخله، فمن ذلك أنّه يسمي أصحاب الاتجاه المشّائي بالأفلاطونيين المحدثين الأرسطيين، Neo-Platonic Aristotelians ويسمي الاعتزال بالعقلانيّة الإسلاميّة Islamic Rationalism والأشعريّة هي المثاليّة Idealism وهدفه كما قلنا تقريب الاتجاهات الفلسفية الإسلاميّة لأذهان المستشرقين.
| القضيّة صالحة في نظر إقبال للبحوث العلميّة، ولكنها غير صالحة لتفسير الظواهر الإنسانيّة، ثمّ مضى إقبال يفسر نشأة التصوف الإسلامي، بناء على الظروف والسياقات التي رافقته |
ثانيًا: لم يتحيز إقبال إلى الفكر الفارسي مطلقًا، وإنّما رصده بموضوعيّة، وانتهى إلى أنّ الفرس لم ينشئوا أنساقًا فلسفيّةً شاملة ومكتملة، كتلك التي نجدها عند كانط، أو كابيلاّ. وفي رأيه لأنّ العقليّة الإيرانية _وهي من الجنس الآري_ لا تصبر على التفاصيل؛ ولذلك لا يتأتّى لها الملكات التنظيمية الهامّة لبناء المذاهب المكتملة، وفي هذا دحض غير مباشر لأطروحة المستشرقين التي تقول إنّ الجنس السامي لا يقدر على التفكير الفلسفي بينما يتقنه أخوه الآري.
ثالثًا: لقد دحض إقبال ببراعة كلّ محاولات المستشرقين ردّ التصوف الإسلامي لمصادر خارجيّة، حيث فكّك المفهوم الذي يكمن خلف منهج تتبع سلسلة المؤثرات الاستشراقي، والذي يفضي في النهاية إلى نفي الأصالة. هذا المفهوم هو مفهوم العلية الذي يقول أنّ المقدار المحدد (أ) مسبب للمقدار المحدد (ب) أو مولد له، وهذه القضيّة صالحة في نظر إقبال للبحوث العلميّة، ولكنها غير صالحة لتفسير الظواهر الإنسانيّة، ثمّ مضى إقبال يفسر نشأة التصوف الإسلامي، بناء على الظروف والسياقات التاريخية والسياسية والاجتماعيّة التي رافقته.
لقد كانت هذه الرسالة تنبئ بمولد فيلسوف ومصلح، ولقد استشرف إقبال دوره حينما كتب في مقدمة رسالته "… ففي فارس يلتحم التأمّل الفلسفي بالدين التحامًا لا تنفصم عراه، والمفكرون ذوو الاتجاهات الفكريّة الجديدة هم أنفسهم مؤسسو حركات دينية جديدة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
