خذوني.. واتركوني

blogs- السجون

خذوني، غباراً عقب القصف، تذروني رياح المعتدي من مخيم في غزة إلى مئذنة حدباء في الموصل؛ لأستقر على جبين وليدٍ أو جبهة عجوز، أو حجاب عزيزة.. أو عنقاً مشرئبا يرقب البرميل النازل من الطائرة المستأجرة والطيار الأعجم والتيس المستعار.. أو دماً دافقاً بنصلٍ مسنونٍ على عتبة ديني، وبحراب فهمٍ لا يجاوز الحلوق إلى الصدور، والتكبيرات هي التكبيرات، والآيات هي الآيات.

 

خذوني، أطراف أنملة متجمدة في مخيم متروك، يغزوها الموت فتدفعه، ببطانية هيئة عالمية، لا تسمن ولا تغني من برد.. أو نفح دخانٍ منفوثٍ من عقب سيجارة أو رأس أرجيلة، محّمّلٍ بهزائم الأجداد، وانحناء الآباء، وسذاجة الجيل، فلا تزداد ناري إلا اشتعالاً ولا دخاني إلا قتامة ولا شمسَ في الأفق.

 

خذوني خاتم خطوبة صمد خلف قضبان اللقاء، لم ينله نزع السجان لأظافري، ولا دم خطيبتي المسفوح في ميادين الهتاف والتحرير.. أو حبلَ سرةٍ مقطوعٍ على عجلٍ في حلب، ملقىً دون عناية في حِمْص، ينتظر الإذن على حاجزٍ في الضفة.

 

خذوني أثر رصاصة متفجرةٍ في فخذي الأيمن، لم يفلح معها مبضع الجراح في ساحات التغيير، ولا وحدة العناية الصدئة في صنعاء القديمة، ولا قات الديكتاتور المخدّر على مر السنين.. أو بقايا وصية على ورق مهترئ في جَيْب مشتبك، وحرفاً خُطّ بعناية لكنه يستعصي على القراءة، وبقعتين داكنتين، تستر كرامتنا.

 

خذوني، حيث يجدر بالفناء أن يكون، وبالحياة أن تهون.. خذوني إلى كل هذا الغيض من الفيض، والقليل من الكثير، والفتات من الجبل، خذوني فقط واتركوني.

خذوني بركةَ مطرٍ صامدة في ساحة المسرى، تنعكس فيها القبة الذهبية، ويعكر صفوها بساطير المحتل، ويهدئ روعها طفلٌ بعيونٍ مقدسية، ومرابطة تواجه القطعان.. أو تجاعيدَ حاجٍ أفرط في الدعاء، تعلق بالأستار، ولم يفلح في عبور الحدود.

 

خذوني رملاً متغولاً على ناقةٍ عربية، خذلتها القبيلة، وأنشب سياج الفرقة فيها مخلبه، ولم ننظر فيها كيف خلقت.. أو عرقَ آسيوي تحت شمس لاهبة، أو ريقاً جافاً لإيغوري في عربة الترحيلات، في صفقة من الشبهات، أو شُبهةٍ من الصفقات والصفعات.

 

خذوني، وعيداً رقمياً، وحروفاً من خلف شاشات، وقشوراً تظهر وفقاعات تتضخم، وأصابع مجهولة، تُنَظّر ولا تنظُر.. بُصاقاً محتدماً في نقاشٍ أعور، وأوداجٍ منتفخة، و"أنا" متحوصلة، والود كل الود تفسده القضية.. دمعاً على خد مُجبرَة، تواسي طرحتها، وتلعن ورطتها، تكرهه وتكرهها، وتتمنى زوالاً، للموروث والمجتمع والخيار.

 

خذوني شيبةً لم تشفع لها شيبتها، مطروحة بالأبواب، منثورة على أقدام الأقارب، مطرودة من مقامات الوقار.. أو ملحَ بحرٍ جفّ، مِن على جبين صياد، وقع في شِباك الفاقة، وأخرج البحر له من خيره، فآثر الباعة على العيال، وعاد بالقليل، مواسياً نفسه بالحلال.

 

خذوني إلى الخيبات، إلى عالمنا الذي يتبوأ من العوالم أرصفة الطرقات، إلى قضايانا التي فات منها ما فات، وبقينا على أطرافها نصب اللعنات.

 

خذوني، حيث يجدر بالفناء أن يكون، وبالحياة أن تهون.. خذوني إلى كل هذا الغيض من الفيض، والقليل من الكثير، والفتات من الجبل، خذوني فقط واتركوني.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان