زرت أحد أقاربي ذات يوم، وبعد قليل دخلت علينا زوجته التي تكبرني بحوالي عشر سنوات بلباس فيه زينة وشيء من التكشف، فجاءت لتسلم عليَّ، فرددت عليها السلام والتحية، لكني اعتذرت لها عن المصافحة قائلا: عفوا.. فأنا لا أصافح النساء، فقَبِلتْ مني ذلك ورحّبَتْ ببقية الأسرة وجلسَتْ، ثم قالت لي: عندي سؤال يا مصطفى، هُوّ أنا كده متبرجة؟ فأجبتها بسؤال معاكس: هو أنت كده محجبة؟ فقالت: لا. قلت: وإذا لم تكوني محجبة، فماذا تكونين؟ قالت: متبرجة. ثم ما كان منها إلا أن قامت، وغيرت ثيابها ودخلت علينا مرة أخرى بالحجاب، قائلة: ما رأيك، هل هكذا أنا محجبة؟ قلت لها: ليس مهما أن أراك أنا محجبة، المهم أن تحكمي على نفسك بأنك محجبة، لأن شروط وهيئة الحجاب تختلف من مذهب لآخر، ومن قناعة إنسان لقناعة آخر.
هذه السيدة لا تخرج من بيتها أصلا إلا بالحجاب، لكنها ظنت أن صلة القرابة بيننا تسمح بكسر الحواجز التي تلتزمها في حياتها أمام بقية الرجال، وهذا شأن الكثير من نساء المسلمين، لكنها لم يكن عندها من الكبر ما يحول بينها وبين تصحيح الخطأ حين ظهر لها، وهذه في الحقيقة علامة من علامات نقاء الإيمان، حيث إن المؤمن النقي لا يبحث عن تبرير خطئه بقدر ما يبحث عن تصحيحه، ومما حفظه القرآن لنا، توصيف ما فعله نبيّ الله آدم عليه السلام بأنه معصية، قال تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، وقد تكلمت عن هذا المعنى بتفصيل في مقال سابق بعنوان: ولم نجد له عزما.
ليس من شرط الإيمان أن يكون العبد معصوما من الذنوب والآثام، فطبيعة البشر الخطأ والنسيان والغفلة، والمؤمن واحد من البشر يعتريه ذلك كما يعتري غيره، بل قد ورد في الحديث «إنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفَتَّنًا تَوَّابًا نَسَّاءً، إِذَا ذُكِّرَ ذَكَر». وانتبه جيدا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا ذُكِّرَ ذَكَر" فالمكابرة والمعاندة ليستا من شأن المؤمن حال المعصية، فنتيجة المكابرة والمعاندة هي الإصرار على الذنب وعدم التوبة منه، وبهذا يكون على خطر عظيم، ويزداد الأمر سوءًا إذا وصل صاحب الذنب لدرجة المجاهرة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ".
وبعض الذنوب هي أصلا بطبيعتها مجاهرة، مثل خلع المرأة حجابها أمام الرجال وخروجها متبرجة مبتذلة كاشفة عن عورتها، مبدية ما أمرها الله بستره في قوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وقد بين عليه الصلاة والسلام قبح التبرج بقوله: "ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ مائِلاتٌ مُمِيلاتٌ، رؤوسُهُنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ البُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَة كذا وكذا"
لن أتكلم عن تفصيل وصف الحجاب ولن أشرح ألفاظ الحديث، لأنني أريد التأكيد على مالا يختلف عليه اثنان من المسلمين، وهو أن (الحجاب فرض والتبرج حرام). فالذي فرض الحجاب على المرأة هو الله رب العالمين وليس الإخوان أو السلفيين، كما تزعم امرأة تريد أن تنسلخ من أمر ربها وتعصي نبيَّها وتبتعد عن هدي أمهاتها (أمهات المؤمنين)، ثم يصل بها الحال بعدما كانت محجبة أن تنزع حجابها، وتلبس المبتذل من الثياب وتنشر صورها هكذا على مواقع التواصل الاجتماعي كيدا في خصومها من الإخوان والسلفيين!! دون أن تدري المسكينة أنها بصنيعها هذا تدخل في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. وعليها أن تحذر من دخولها كذلك تحت قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

في وقت كنت أظن فيه أننا سنتفرغ لابتكار الوسائل التي تساهم في هدم الطواغيت واستلال جرثومة الفساد القابعة فوق رؤوسنا.. أُفاجَأُ بكاتبة تريد أن تجعل التبرج والابتذال أمرا واجبا على نساء المسلمين، حيث إنه السبيل الأمثل للتعرف على الله!! ومن قبلها سبقتها أخرى تريد أن تجعل الحديث عن النمص وحرمته سببا من أسباب ضعف الإيمان، وأن المرأة التي تنمص تتذوق من حلاوة الإيمان وتنهل من ينبوعه، أكثر من تلك التي تنشغل بشعرات حواجبها، دون أن تتعرض لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ"، ودون أن تذكر شيئا من أقوال الفقهاء في المسألة التي صدّرت بها عنوان مقالتها!!
ورغم بعض الفوارق بين المقالتين شكلا وضمونا، إلا أنهما اتفقتا في عدة أمور:
1- اختيار عنوان فيه شيء من الاستهانة بحرمات الله، مع التأكيد على هذا المعنى ضمن المقال، وهو ما انتبه إليه عامة القراء، وقاموا بلفت نظر الكاتبتين إليه.
2- عدم ثبات الفكرة ونضوجها في ذهن الكاتبتين، حيث لم تقل الأولى: هل النمص حلال أم حرام؟ كما أنها لم تبين للقراء كيف يكون التلازم بين النمص وبين زيادة الإيمان، أو بين النمص ونفع المجتمع؟ وكذلك الثانية لم تشرح لقرائها كيف تعرفت على الله بعدما خلعت حجابها؟ وهل الحجاب عندها فرض أصلا، أم أنه محرم أو مكروه كما قد فهم بعض القراء؟.
3- لم تذكر أيٌّ من الكاتبتين شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله رغم أن الموضوعين يتعلقان بأمور دينية.
4- الهجوم الشديد على المتمسكين بظواهر القرآن والسنة في أمور سموها هم (شكلية)، وكان لبُّ الكلام في المقالتين يصب في معنيين متقاربين (النامصات أكثر التزاما من غير النامصات – المتبرجات أكثر معرفة بالله من المحجبات).
5- الاستهانة بانتقادات القراء وعدم الالتفات إليها رغم كثرتها وظهورها، بل قد وصل الأمر إلى حد الاستهجان والاستنكار من الكاتبتين تجاه المعلقين والمنتقدين، رغم أن القارئ (أيا كانت درجة ثقافته) هو رأس مال الكاتب.
لن أنشغل كثيرا بالرد على تفصيلات ما ورد بالمقالتين، لكني سأذكر ما يشبه الثوابت والمسَلّمات بحيث يستطيع القارئ من خلالها أن يضبط تعامله مع مثل هذه المقالات، علما بأنني وجدت في تعليقات القراء على المقالتين المشار إليهما وعيا وفهما يدلان على أن ثقافتهم أرقى من ثقافة الكثير من الكتاب المشاهير.
1- الإيمان: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان. كما أن «الْإِيمَانُ بِضْعَةٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَة، أَفْضَلُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَصْغَرُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ».
2- التجارب والمواقف الشخصية ليست معيارا يقاس عليه أو يُعرف به الحق من الباطل ولا الحلال من الحرام، والمسلم يحتكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله وما بلغه من أقوال العلماء الذين وضع الله لهم القبول في الأرض. قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}.
3- «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
| الشيطان الذي يَؤُزّنا اليوم على أمور نراها خفيفة، سيأخذنا غدا لما هو أشد منها، ووقتها سنراها خفيفة أيضا لأننا اقتربنا منها، فبالأمس كان النمص واليوم التبرج، وغدا الزنا والخمر وبعده الأركان من صلاة وصيام وزكاة وحج.. وهكذا |
4- الكلام في أي موضوع لابد أن يكون بعلم وعدل، فلا يصح لأحد أن يتكلم في الطب ولا الهندسة مثلا إلا بعدما يتعلم ما يؤهله لذلك، وبالطبع كذلك الأمور الدينية المتعلقة بتوجيه الناس إلى ما يعرضهم للثواب أو العقاب، كما أن ضلال بعض المنتسبين للعلم لا يكسر هذه القاعدة، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وقال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}.
5- ذنب المسلم في خاصة نفسه أخف من ذنبه أمام الناس، وذنبه أمام الناس أخف من شَرْعَنَتِه لهذا الذنب وتسويغه -وكلها ذنوب- لكنها أخف بكثير من دعوة الناس لمقارفة هذا الذنب والوقوع فيه، حيث هذه من صفات المنافقين، ومن أسباب نسيان الله رب العالمين، قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
6- ستظل خيرية هذه الأمة محفوظة طالما حافظت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وبيَّن أنها من أهم صفات المؤمنين، فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.
7- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} فالشيطان الذي يَؤُزّنا اليوم على أمور نراها خفيفة، سيأخذنا غدا لما هو أشد منها، ووقتها سنراها خفيفة أيضا لأننا اقتربنا منها، فبالأمس كان النمص واليوم التبرج، وغدا الزنا والخمر وبعده الأركان من صلاة وصيام وزكاة وحج.. وهكذا.
وأخيرا.. أرجو من الكاتبتين أن يكون عندهما من الحلم وسعة الصدر ما يؤدي لمراجعة ما خطته أيديهما، وهذا من حسن الظن فيهما، وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

