يبدو أن حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي في المغرب قد دخل منطقة الأعاصير الكبرى التي بدأت تهز عروشه وتهدد جذوره، وهذه إحدى النتائج التي يمكن أن يكون قد لمسها كل متتبع لآخر اجتماع موسع للحزب عندما التئم برلمانه نهاية الأسبوع الماضي بعد عدة شهور من تجميد اجتماعات هيئاته المقررة والتنفيذية.
ولأول مرة منذ تاريخ تأسيسه الحديث (أسس الحزب رسميا عام 1998) لم يستطع لا قادة الحزب أو هيئاته أن يخفوا الخلاف الكبير الذي بات يشق صفوفه، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ اجتماعات الحزب، الذي عود الرأي العام في المغرب على شفافيته، قرر تهريب نقاشات خلافاته الداخلية داخل جلسات مغلقة، وما صدر في إعلامه الرسمي ميزته لغة "مشفرة"، وخاصة الكلمات والتصريحات الصادرة عن بعض قياداته التي سعت إلى أن تٌضمر فأظهرت أكثر مما حاولت أن تخفي.
فلا أحد اليوم يخفى عليه أن الحزب الإسلامي الأول المعترف به في البلاد، يعيش تمزقا داخليا منذ الإعفاء القسري لأمينه العام من رئاسة الحكومة الذي جعله ينقسم إلى تيارين. تيار الأمين العام الذي أحس بالإهانة جراء طريقة إعفائه التي لم يكن ينتظرها. وتيار الوزراء الذين سارعوا إلى مباركة خليفته من نفس حزبهم على رأس الحكومة وشاركوا فيها متجاوزين الشروط التي كان يضعها زعيمهم لتشكيل حكومته أثناء فترة الأزمة السياسية التي دخلها المغرب مباشرة بعد انتخابات أكتوبر 2016 وعٌرفت إعلاميا بأزمة "البلوكاج الحكومي".

ورغم محاولات قيادات الحزب من التيارين إخفاء هذا الشرخ الحاصل في صفوفه إلا أن تدوينات وتصريحات قيادات من الصف الثاني ومن أتباع الحزب والحركة تفضحه. وحسب تيار أصحاب بنكيران فإن الخلاف مبدئي قائم على أساس عدم احترام أصحاب التيار الآخر للإرادة الشعبية المعبر عنها في انتخابات أكتوبر / تشرين الأول الماضي، عندما قبلوا المشاركة في حكومة لا تمثل هذه الإرادة. أما أصحاب التيار الآخر فيرون أن مواقف زعيمهم وخاصة شروطه أثناء فترة تشكيل الحكومة كانت ستؤدي بحزبهم إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة وبالتالي مع القصر، وهو ما يعتبرون حزبهم وحركتهم في غنى عنه ولا طاقة لهم به ويهدد بنسف مشروعهم.
| أزمة اليوم هي الأصعب على الحزب وخاصة على وحدته عندما نجحت السلطة في زرع بذرة الشقاق داخله بعدما فشلت في هزيمته في صناديق الاقتراع وفي مواجهة مده في الشارع، فغرست داخله ما هو أفسد من الأرضة |
لكن في الحقيقة فإن الإرادة الشعبية التي يتذرع اليوم أصحاب بنكيران بالدفاع عنها لم يحترمها بنكيران نفسه عام 2011 عندما وقف ضد الحراك الشعبي الذي عاشه المغرب آنذاك، وطيلة فترة ولايته الحكومة اتخذ قرارات لا شعبية أغلبها تعليمات من القصر أو إملاءات من المؤسسات المالية الدولية. أما تذرع خصوم بنكيران داخل حزبه بسعيهم إلى تجنب مواجهة كانت محتملة مع السلطة والقصر فهم يدركون قبل غيرهم أن زعيم حزبهم أحرص منهم على كسب ثقة القصر من أي شيء آخر، وبالتالي فهو أبعد من أن يجر حزبه إلى مواجهة أو صدام معه.
ويبقى الخلاف داخل حزب إسلاميي القصر في جوهره ذا طابع شخصي بين بنكيران الذي يسعى إلى البقاء على رأس الحزب لولاية ثالثة رغم أن قوانين الحزب تمنع ذلك، لإعادة شيئ من الاعتبار لنفسه بعد الإهانة التي تعرض لها. وبالمقابل يقف أمامه تيار الوزراء الذين ينفذون إرادة السلطة والقصر التي تريد إزاحة بنكيران من الحياة السياسية بعد أن تم إعفائه من رئاسة الحكومة عقابا له على بعض تصريحاته وأيضا للحد من تنامي شعبيته التي أصبحت تنافس وتزعج القصر .
في كلمته أمام "المجلس الوطني" للحزب أي "برلمان الحزب" حدد بنكيران خمسة ركائز يقوم عليها بنيان الحزب هي: حرية الرأي، واستقلالية القرار الحزبي، والديمقراطية الداخلية، والثقة، والمرجعية الإسلامية. والحديث عن هذه الركائز لم يأتي من باب التذكير فقط وإنما لأن زعيم الحزب يشعر بأن أسس الحزب بدأت تهتز عندما بدأ بعض قادة الحزب يتبادلون الاتهامات فيما بينهم على صفحات فيسبوك بالخيانة لمبادئ الحزب ولزعيمه، وبعد أن وجد الحزب نفسه مسلوب الإرادة داخل حكومة لم يشكلها هو وعٌهد إليه بقيادتها شكليا، وبعدما انفرط عقد الثقة فيما بين قادة الحزب، واهتزت مرجعيته الإسلامية على وقع فضائح أخلاقية سقط فيها بعض رموز الحزب وقادة حركته الدعوية.
وطيلة ساعة زمنية استغرقتها كلمته، لم يقدم بنكيران مشروعا سياسيا بديلا لأعضاء حزبه وهو ينتقد استمرار الفساد والاستبداد اللذان تعايش معهما طيلة خمس سنوات، هي عمر حكومته السابقة، فهو ما زال يؤمن بالإصلاح من الداخل لذلك قال لأعضاء حزبه "الإصلاح ليس فيه اختيار.. نكون أو لا نكون.. لأنه ليس لدينا خيار"، ورئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، الذي يعتبر الرجل الثاني في الحزب يقول نفس الشيء ويؤمن بنفس المشروع. فأين يمكن الخلاف؟
في الحقيقة لا يوجد أي خلاف جوهري بين مشروع الرجلين، وإنما في أسلوبهما، وهو ما يجعل تشبث بنكيران غير المعلن حتى الآن بالاستمرار في الأمانة العامة للحزب، هو نوع من الرغبة في إعادة الاعتبار لنفسه بعد إزاحة المذلة من رئاسة الحكومة.
مشروع بنكيران الجديد يقوم على ثنائية المشاركة والمعارضة. أي أن تظل للحزب رجل في الحكومة يقودها العثماني ولو شكليا، ويهش هو بعصاه في المعارضة لإعادة شيء من الاعتبار لنفسه المكسورة والمجروحة. وفي خلاصة فإن مشروع بنكيران يقوم على تناقض أساسي يريد أن يجمع حزبه بين حلاوة السلطة وشرف المعارضة.

وحتى هذا الأسلوب ليس بجديد على من يوصفون بـ "إسلاميي القصر" في المغرب، فهم حتى عندما كانوا على قلب رجل واحد داخل الحكومة، كانت ترتفع داخل صفوفهم أصوات معارضة للسلطة ويعبر عنها بنكيران بنفسه أحيانا، ويتصدى لها بنفسه، أحيانا اخرى، بالقمع والمنع عن الحديث وإتباع المساطر التأديبية داخل الحزب كم حصل أكثر من مرة مع عضو الحزب المثير للجدل بسبب انتقاداته اللاذعة للسلطة، عبد الله أفتاتي، الذي جمد بنكيران عضويته داخل برلمان الحزب ووصفه بـ "الهداوي" (أي الشخص المرفوع عنه القلم) عندما كان يكرر نفس الكلام الذي يقوله بنكيران اليوم!
من يتتبع ولادة ومسار حزب "العدالة والتنمية" المغربي مقارنة مع تجارب أحزاب اليسار المغربية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، سيجد أنها كانت يسيرة وسهلة فهم لم يعرفوا نفس القمع البشع الذي عانى منه اليساريون، ولم يعش حزبهم المحن الصعبة التي عاشتها أحزاب يسارية وقدمت من أجل مبادئها الشهداء والمعتقلين.
حزب "العدالة والتنمية" ولد وترعرع في كنف بيت صاحبه كان قريبا ومحميا من القصر، وقادته البارزون اليوم كلهم بدون استثناء حسموا في خياراتهم السياسية منذ سنوات عندما اختاروا المهادنة بدلا من المواجهة، والإصلاح عوضا عن التغيير.
| أمام إسلاميي "العدالة والتنمية" اليوم فرصة سانحة هي محطة مؤتمرهم المقبل لإعادة النظر في طرح الأسئلة وممارسة النقد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه |
وطيلة فترة وجوده كانت إحدى نقاط قوة الحزب هي وحدة صفه الداخلي التي نجح في الحفاظ عليها في أصعب المراحل التي اجتازها، لكن في الأزمات السابقة كانت كلها خارجية وفي مواجهة عنصر خارجي ممثل في السلطة أو خصومه السياسيين، فوجود الخطر الخارجي هو الذي كان يوحد الصفوف ويجمع الشمل.
لذلك، فإن أزمة اليوم هي الأصعب على الحزب وخاصة على وحدته عندما نجحت السلطة في زرع بذرة الشقاق داخله بعدما فشلت في هزيمته في صناديق الاقتراع وفي مواجهة مده في الشارع، فغرست داخله ما هو أفسد من الأرضة، أي أهواء السلطة وإغراءاتها التي تأكل من مصداقيته وتنخر شعبيته، حتى يخر على أصحابه السقف من فوقهم كما حدث مع أحزاب أخرى سبقتهم اخترقتها السلطة حتى باتت كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ.
مشروع حزب "العدالة والتنمية" السياسي الذي كان يتبناه زعيمه عبد الإله بنكيران، والمتمثل في "الإصلاح التدريجي من الداخل" فشل، أو أٌفشل عندما تم إعفاء بنكيران قسرا من رئاسة الحكومة. والكل يعرف اليوم أن الحكومة التي يقودها الإسلاميون لا تحمل مشروعهم السياسي الذي تعاقدوا حوله مع الناخبين الذين منحوهم ثقتهم في استحقاقات 2015 و2016. وأمام إسلاميي "العدالة والتنمية" اليوم فرصة سانحة هي محطة مؤتمرهم المقبل لإعادة النظر في طرح الأسئلة وممارسة النقد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تعصف بهم الريح التي عصفت بمن قبلهم وجعلتهم عبرة لمن يعتبر!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

