يبتئس ويبني الأمجاد!

مدونات - الرببع العربي

وأنت لازلت على قيد الحياة -أو هكذا يبدو- والأيام تتعاقب آتيه بذكري سادسة لثورتك.. الذكريات والتفاصيل تتدافع من ركن في ذاكرتك لا تحسن دفنه ونسيانه، يجئ على مسامعك من الماضي قول صدعوك به لشيخ محبب عن أن "الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد" لم يخبروك بالكثير، وأكتفوا بتلك الإشارة -الموجهة والمختارة بدقة- لمعركتك الأولي والتي دارت حول سؤالين:

هل هدمت الفساد حقا؟! وهل يمكن أن تهدا سريرتك الغاضبة المتمردة وتدخل طوعا في ركب البناء الهادئ الطويل المتعقل؟ لم تطل المعركة، فالسؤال الأول قد أجيب عليه "لم تهدم شيئا" والفساد يُبين عن وجه أقذر ويُبشر بعهد أقسي.. موجة تلو موجة، تظاهرة تلو تجمع، أسر تلو مقتلة.. لم يختارك الله للموت ولم يختارك للأسر وأختارك لبلاء من نوع آخر وقدر للبلاد جحيم صامت تتابع فيه النكبات وتُصب فيه علي رؤوسنا صبًا لعنة الدماء والسذاجة والتهاون والارتداد.

أخبروك أن عليك أن تهدا لتبني الأمجاد .. كنت تظن أنك ستبنيها علي رفات الطغاة وعلي ركام قلاعهم وتبين أنك ستبنيها إلي جوار أمجادهم ندًا بند، ولن يحق لك حين اكتمالها أن ترفع عليها علم ثورتك لأنك ستؤثر وجودها الصامت الغير منحاز علي فنائها، بعد متاهات من كيف ستمضي علي دربك والطغاة علي تسلطهم وبطشهم، وأنت تسحق تحت قسوة الواقع، كيف ستوراي ولا تبيع كيف ستستتر ولا تخون، واخترت مع كل الحزن والعجز أن تمضي وتسعي بما في يدك من حيلة.

ستنفتح علي عالم عابث بعدما كنت محفوفا بآل الثورة وأحبابها، بعدما كنت لا تسمع بينهم إلا هتافا ودعاء علي الفجار ونقاشا طويلا حول التغيير والمستقبل.

لم يخبروك أنك بعد أعوام ستجلس وتستمع لمن خان ثورتك، ولمن باعها، ومن يتفلسف وينظر عليها وقتما لم تعد لحكمته نفع، تسمع لمن لازال ينحاز لصف ويلقي بالخيبة علي الآخر، وتسير بين المقابر وبين السجون تلقي سلامًا علي الصفان اللذان تنازعا ففشلا و أذهب الله ريحهم، وجمعهما بالجبر بطش الطاغية الأول الذي لازال صفه متحدا.

لم يخبروك أن بعد أعوام ستتعاقب عليك ذكري مقتلات عدة، وفي كل مرة تجد نفسك قد أهلمت جرح الفقد وتناسيته ولم تداويه وأنك ربما كففت عن بكائهم وكففت عن الاشتياق ربما بدأت تعيش مع حقيقة أن قاتليهم وسجانيهم أحياء في رغد، وجرحك من كل الفقد ينزف ويقتات عليك في صمت و أنت مكبل مسحوق تحت وطئته ووطئة الهروب منه.

لم يخبروك أنك ستهرب من الذكريات و من الأسئلة، ويظل "كيف وصلنا إلي هنا" معلقا، يوقفك علي كل ناصية في الحياة و يهزك بشدة ويسألك في صراخ "لماذا"؟ والسؤال مزعج قاهر، وأنت لا تجيد الهروب فلا شفاء منها، فتارة تبحث وتقرأ وتنقب في السنن علك تجد ضالتك وتارة تتجاهل، والألم رفيق.

لم يخبروك أن كل ما حولك سيتغير من أول ما تبثه السماعات الصغيرة في أذنيك التي كانت تدندن ليل نهار عن الميدان ورفاقه وقتلاه، عن الثورة والآمال تُبدل أنت كل هذا طوعا بأي لغو غيره لأن الماضي كُله يبكيك و حينما تبكي تعجز وارتأيت أنت أن عليك أن تكمل السير، وحينما تسير بشوارعها وميادينها ستجدها تغيرت، ورسومك علي الحوائط مُحيت، والدماء التي سالت علي الأرض جري عليها الزمان ولم يبقي لها أثرا.

وستنفتح علي عالم عابث بعدما كنت محفوفا بآل الثورة وأحبابها، بعدما كنت لا تسمع بينهم إلا هتافا ودعاء علي الفجار ونقاشا طويلا حول التغيير والمستقبل، ستجد نفسك وسط أناس مرت عليهم الثورة كأن لم تكن، أناس لا يحفظون أناشيدها ولا أسماء قتلاها ولا يدعون لأسراها ولا يتسامروا بذكراها، أناس يحفلون بالخبز والسكن والفيلم الجديد المسرب علي الإنترنت بجودة لا بئس بها، أكثر مما يحفلون بك وبآلها وأحلامها ونكساتها.

لم يخبروك أنك بعد أعوام ستجلس وتستمع لمن خان ثورتك، ولمن باعها، ومن يتفلسف وينظر عليها وقتما لم تعد لحكمته نفعا.

وصحب الثورة تفرق تحت التراب وخلف الأسوار وخارج الحدود طوعا واستسهالا أو كرها.. لم يبق إلا القليل القليل من البائسون المحطمون أمثالك، شتات مُثقل يسير علي الدرب، أهدته الثورة مقابل العمر والكد والأمل والعيش السوي والحياة التي كالحياة موضع قدم، ثغر رأوه بنورها وهي في زمن مجدها، ثغر اختاره كله منكم وعاهدها علي القيام عليه حينما كان يهم بالبدء في بناء الأمجاد!

فطبت أيها الثائر البائس وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة فردوسًا، لا فيه طغاة ولا تجارا ولا لغوا ولا فقدا، فردوس رحب يتسع لك ولصحب الثورة فيه ما يفوق كل ما تمنيتم يوما.. كان الله في عونك وتقبل سعيك ورباطك مع كل ما يثقل كاهلك على ثغرك حتى تلقاه مستبشرًا وتتلقي السماء نفسك البائسة مبتسمة بـ "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ".