سرقنا أو سرقونا، أم تواطئنا نحن وهم على السرقة، لم نعد نركز في الرسائل الإلهية، ولا حتى البشرية، فقدت العين جمالها منذ أضحى النظر إليها لا يتعدى الثانية، وفقدت المصافحة طعمها منذ أضحت مجاملة بيننا، وراح السؤال على الحال مجرد برتوكول نردده كرسائل شركات الاتصال، دون لون للاهتمام ولا حتى إلحاحا في الاطمئنان على الآخر.
غادرنا المدارس ولم نكن نعلم أنه آخر يوم لنا هناك، لم نودع زملاء الطباشير ولا ملوك المآزر البيضاء، ظننا في العودة القريبة عطلة وفقط، لم يخبرني أحد أن زميلتي في المقعد ستسافر إلى مدينة أخرى، لو أعلموني فقط، لكنت حضنتها لباقي العمر، ولم أسترجع قلمي الأحمر، ولا مقلمتي الوردية، لأبقيت شيئا مني عندها، وأمنتها عليه، ولمعلمة لم تجمعني بها صدف الحياة، لا أدري عنها شيء.
| فلنعطي فرصة للعين حتى تشبع، ولليد في التشبث حتى تدفئ، وللحضن حتى تسمع دقة القلب، فلنعش كل لحظة على أنها الأخيرة، ولنحب وكأنها الفرصة الوحيدة، ولنعطي وكان الرصيد سينفذ، نحن لا نعلم التوقيت الذي سيسدل فيه الجفن، ولا المشهد الأخير |
لو سربت لنا النشرات الإخبارية، أن العراق ستقسم، لالتقطنا صورة لتمثال المتنبي دون خوف من رصاصة طائشة، ولا طائرة قاصفة، لزرنا دجلة والفرات، ومررنا على حضارة لا نكاد نراها اليوم، لو سربوا لنا خبر الحرب في سوريا، لبدلنا وجهتنا وحزمنا حقائب العطل هناك بدلا من الدولة الأوروبية المتاحة لباقي العمر، لسرقت ياسمين الشام، جففته وخبأته لأيام الحنين، لهذه الأيام، للحرب التي قطعت علينا طريق الاكتشاف، ولوعة الانتماء.
لو كنت أعلم أنها الليلة الأخيرة في حياتي جدي، لما ابتعدت عن سريره ثانية، لما أفلت يدي من يده نبضة قلب، لم يخبرني عامل النظافة انه مريض يومها، ردد على مسامعي "راني بخير بنتي"،و لم يعد صبيحة اليوم الموالي، فقط لو اخبرني لساعدته في تنظيف الحي، أو أعفيته من تنظيف العمر، فقط لو كنت اعلم أنها اللحظة الأخيرة، أشياء كثيرة كانت ستختلف .
لما علمت صديقتي أنه الشهر الأخير لوالدها، لأجلت زفافها لما بعد الوجع بسنين، وآخر مر مرور الكرام على والدته وهي تتألم ظن أنها نزلت برد، فأكمل سهرته على المقهى، يكمل شوطا من لعبة الشطرنج، نعم كسب كل الجولات وخسر آخر لحظات بصحبة من علمته الفوز.
إلى كل الشوارع والطرقات، إلى العائلة والأصدقاء، إلى الزملاء والغرباء، إلى من مررنا عليه وتشبثوا بملابسنا، بكفوفنا، شدوا على أكتافنا ذات يوم، كي نطيل الجلوس معهم، نكمل السهر بصحبتهم، نروي الظمأ من فناجين الحب عندهم، إلى الذين قلنا لهم "أكيد سنكررها.. أين نذهب عنكم.. سنلتقي" وجاء القدر ليجهض كل هذه اللقاءات لو كنا نعلم أنها الأخيرة كانت الأكيد أنها ستختلف.
فلنعطي فرصة للعين حتى تشبع، ولليد في التشبث حتى تدفئ، وللحضن حتى تسمع دقة القلب، فلنعش كل لحظة على أنها الأخيرة، ولنحب وكأنها الفرصة الوحيدة، ولنعطي وكان الرصيد سينفذ، نحن لا نعلم التوقيت الذي سيسدل فيه الجفن، ولا المشهد الأخير، فلنكن صادقين، والمهتمين، ومحبين، قبل أن تحجز لنا مقاعد الصف الأول من جنازة الندم .
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

