الصورة الذهنية

blogs - runner
منذ نشأة الألعاب الأوليمبية منذ مئات السنين قبل الميلاد، وترسخ في أذهان ‏الناس حقيقة مجربة، أنه لا يستطيع إنسان أن يجرى ميلا واحدا في أقل من أربع ‏دقائق، والميل حوالى 1600 متر، وأقول حقيقة مجربة لأن ‏المئات عبر التاريخ حاولوا وفشلوا، فازدادت قناعة الناس يوما بعد يوم وإزداد ‏معها إحباطهم ويأسهم في آن واحد.

بعدها ظهر مجموعة من العلماء النابهين، ‏أجروا أبحاثا طويلة على جسم الإنسان ثم هزوا رؤوسهم في أسى: لن تستطيعوا ‏أن تفعلوها.. يمكنكم أن تحاولوا وتلهثوا أيها الرياضيون كيفما شئتم لكن أجسامكم ‏لن تسمح لكم، أعلن العلماء النابغين أن كتلة العضلات وحجم الأعصاب في ‏الجسد البشرى لن تستطيع أن تكسر حاجز الدقائق الأربعة، نعم، عدو ميل ‏واحد في أقل من أربع دقائق أصبح مستحيلا خامسا.

روجر بانستر، طبيب إنجليزى شاب، من هذا الطراز من الأطباء الذي اختفي ‏في بلادنا من زمن بعيد، لم يكن أصلع الرأس ذو كرش متهدل ويستمتع طول ‏الوقت بإطلاق نظرات حادة من خلف منظاره المقعر، كان ببساطة طبيب نابغ ‏ورياضى متميز، حتى أنه فاز يوما ما بلقب رياضى العام في إنجلترا، لم ‏يشغل الدكتور بانستر نفسه كثيرا بمراجعة أبحاث العلماء، ربما لم يطلع عليها ‏حتى، استيقظ ذات صباح وقرر أن يجرب بنفسه.

حينما تردد ‏فكرة أو تتحدث بها طوال الوقت أو تنصح بها غيرك فأنت في الحقيقة تبرمج بها ‏عقلك الباطن الذي يسيطر رغما عنك على عقلك الواعي.

حسنا، إذا كان هذا ‏أمرا مستحيلا فدعونا نجربه على الأقل، هل خمنت نهاية القصة؟ أحسنت، ‏نعم فعلها الرجل،استطاع أن ينجح فيما فشل فيه الآخرون طوال تلك السنوات، ‏قطع بانستر مسافة الميل في أقل من أربع دقائق بأجزاء من الثانية،. حكاية ‏مكررة مملة أليس كذلك؟ أعرف، أعرف أنك تعتبر أن ظهور الخارقين من ‏البشر أصحاب القدرات الغير عادية أمر ضرورى في كل زمان ومكان، أوافقك على هذا، أنا أيضا رأيت هذا الطفل الذي يضرب سبعة أرقام في سبعة أرقام ثم يعطيك ‏جوابا في أقل من خمس ثوان وهو يحك رأسه من فرط الملل!

ولكن ‏يبقى أن تعرف أنه بعد ثلاثة أسابيع إستطاع رياضىٌ ثان أن يفعلها، ثم رياضى ‏ثالث، ورابع .. وخامس، ثم عشرات الرياضيين من كل الأعمار منهم اثنين ‏من العرب بالمناسبة، المفاجأة التي صدمت العالم أن أبحاث العلماء النابغين إياهم كانت ‏محض هراء، وأن مئات الرياضيين الذين أخفقوا لم يحاولوا بجدية ‏وحسب، والسؤال الذي أتركه لك، كيف انقلب المستحيل ممكنا، كيف كان ‏الأمر قبل روجر بانستر مستحيلا ثم أصبح من بعده ممكنا؟

يتحدث علماء النفس كثيرا عن الصورة الذهنية، هذه الصورة التي تشترك أنت ‏في تكوينها في عقلك الواعي ثم تتسلل رغما عنك إلى العقل الباطن، حينما تردد ‏فكرة أو تتحدث بها طوال الوقت أو تنصح بها غيرك فأنت في الحقيقة تبرمج بها ‏عقلك الباطن الذي يسيطر رغما عنك على عقلك الواعي، يبقى لديك طوال ‏الوقت الخيار أن تبرمج عقلك بفكرة سلبية محبطة أو بفكرة إيجابية مشعة.

يتحدث علماء النفس كثيرا عن الصورة الذهنية، هذه الصورة التي تشترك أنت ‏في تكوينها في عقلك الواعي ثم تتسلل رغما عنك إلى العقل الباطن.

هل ‏تكره كتب التنمية البشرية؟ عندك ألف حق، وأنا مثلك لا تروق لي كثيرا، ‏لكن روجر بانستر استطاع ببساطة أن يغير الصورة الذهنية التي تسربت في عقول ‏الناس عبر السنين ويغيرها بصورة ذهنية إيجابية، فكان النجاح حليفه، ثم ‏جاء من بعده العشرات الذين استلهموا من تجربة بانستر صورة إيجابية عاشوا بها ‏في خيالهم لكي تقربهم من تحقيق الهدف والنجاح، فكان التوفيق حليفهم.

في كل مرة تضبط نفسك تكرر أفكارا سلبية محبطة حتى ولو بينك وبين نفسك، قل ‏بأعلى صوتك: لا لا لا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، كرر بصوت عال ‏أنك إن شاء الله تستطيع، وأن الإحباط واليأس لن يجد لعقلك وصدرك سبيلا، ‏وأن المحال وغير الممكن لا يقرره إلا الله الرزاق ذو القوة المتين، حين ضرب ‏النبي الكريم الصخرة الكؤود ساعة حفر الخندق نادى بأعلى صوته في أصحابه : ‏الله أكبر، الله أكبر أعطيت خزائن الروم وفارس واليمن، ثم رسم صلى الله عليه وسلم لهم ‏صورة ذهنية حين وصف أبواب صنعاء وقصور الشام الحمراء وقصر المدائن ‏الأبيض، فلماذا برأيك فعل النبي هذا في غزوة زاغت فيها الأبصار وبلغت ‏قلوب أصحابه الحناجر وظن المؤمنون فيها بربهم الظنونا؟ ‏