"علقمي" في القرن الحادي والعشرين

ها قد أعلن مؤيد الدين العلقمي نسخة 2017 عن نفسه بوضوح..
قديماً في بغداد وفي زمان الخلافة العباسية وتحديداً آخر أيّامها، كانت المدينة على موعد مع السفّاح هولاكو الزعيم التتري، الذي كان يعد العدة لإسقاط الخلافة العباسية، والحق يقال أنه أعدّ العدّة كما ينبغي، بينما كان رد فعل الخلافة لهذا الإعداد ضعيفاً واهناً، وإذا كان الحال كذلك فلا بد أن ينتصر هولاكو على عدوّه وإن كانوا مسلمين؛ ذلك لأن لله سننًا لا تتبدل، والذي يأخذ بأسباب النصر من أهل الدنيا، فإنه سينتصر.

بدأ هولاكو يرتب خطته التي سينقض بها على بغداد والتي كان خليفتها وجيشها يتابع ما يقوم به هولاكو، وكأن الأمر لا يعنيهم، فقام هولاكو بإصلاح كافة الطرق المتجهة من الصين إلى العراق، وبإقامة الجسور الكبيرة على الأنهار التي تعترض طريق الجيوش، كذلك فعل سياسياً فقد قام بعقد بعض الأحلاف السياسية مع بعض موازين القوى في المناطق التي كان يمر بها، تحالف مع ملك أرمينيا الضعيفة لا لشيء إلا لخبرته في قتال المسلمين، تماما كتحالف أمريكا مع بريطانيا في حرب العراق.

لا شك أن وصول مؤيد الدين العلقمي الشيعي إلى منصب الرجل الثاني في الخلافة كان قلة رأي، وضحالة فكر، وسوء تخطيط من الخليفة المستعصم بالله الذي ترك هذا الوزير المفسد في هذا المكان

ثم قام هولاكو بالخطوة الأهم وهي عقد التحالفات مع الأمراء المسلمين ليقاتلوا معه الخلافة، تماماً كما هي التحالفات التي تبرم اليوم لإغراق أنفاق حماس، ولضرب الحصار على غزة، ولتصنيف قطر إرهابية، ولقطع الإمداد عن ثوار بنغازي، ولقصف اليمن، فكل هذه التحالفات وُقِّعَتْ مع زعماء مسلمين، تماما كما بايع هولاكو كل من بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل، وسلطان السلاجقة كيكاوس الثاني عن تركيا، والناصر يوسف أمير حلب ودمشق الذي أرسل ابنه العزيز ليقاتل مع هولاكو في مشهد يتكرر هذه الأيام في المناورات التي يجريها الطيران الحربي الإماراتي مع طيران الاحتلال الصهيوني، وكذلك فعل الأشرف الأيوبي أمير حمص الذي قدم ولاءه لزعيم التتار، في مشهد يذكرك بتجوّل قاسم سليماني رفقة الجنود الروس في أحياء المدن السورية المحطّمة.

وصل هولاكو أيضاً في مجهوده السياسي إلى شخصية خطيرة في البلاط العباسي، فقد وصل إلى الشخصية الثانية في الدولة، وهو الوزير "مؤيد الدين العلقمي الشيعي"، والذي كان رجلاً فاسداً خبيثاً رافضياً شديد التشيع، كارهاً لأهل السنة، ومن العجب أنه يصل إلى هذا المنصب وهو على هذه الصفة، وفي دولة سنية تحمل اسم الخلافة!! تماماً كوصول يوسف العتيبة الإماراتي إلى منصب سفير الإمارات التي تدّعي أنها عربية في واشنطن، العتيبة الذي كشفت الوثائق المسربة من بريده الإلكتروني في يونيو 2017 عن علاقته الوثيقة بمؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" التي تمولها منظمة المؤتمر اليهودي العالمي، أبرز اللوبيات الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة.

ولا شك أن وصول مؤيد الدين العلقمي الشيعي إلى منصب الرجل الثاني في الخلافة كان قلة رأي، وضحالة فكر، وسوء تخطيط من الخليفة المستعصم بالله الذي ترك هذا الوزير المفسد في هذا المكان الخطير، بينما كان وصول العتيبة لهذا المنصب الخطير عن سبق إصرار وترصد بل أن أحد "عيال زايد" الذي عيّنَهُ قد فكّر وقدّر ثم نظر ثم عبس وبسر، وأخيراً وجده الأمثل لأن يكون الأفعى التي سيهاجم بها خصومه. مؤيد الدين بقيَ في منصبه أربعة عشر سنة كاملة، من سنة 642 هجرية إلى سنة656 هجرية عندما عام سقوط بغداد، فكان هولاكو على اتصال به طالبا منه المساعدة بالآراء الفاسدة، والاقتراحات المضلّلة، مستغلاً فساده وتشيعه وكراهيته للسنة، واتفق معه على تسهيل دخول الجيوش التترية إلى بغداد، وذلك في مقابل أن يكون له شأن في "مجلس الحكم" الذي سيدير بغداد بعد سقوط الخلافة، وكأني بمؤيدٍ هذا هو السيسي وهو يلعب بالاقتصاد المصري ويعوّم الجنيه، ثم يحفر "التفريعة"، ويبدّد أموال الشعب هنا وهناك، ويغرق الأنفاق، ويهجّر أهل سيناء، ليكون الشريط الحدودي مع الكيان الصهيوني سهل الاختراق، ثم يزور الولايات المتحدة ليُشِيعَ الإعلام المصري بكل سخف أن السيسي قد اختير في "مجلس إدارة شؤون العالم"!

لقد قام الوزير الفاسد مؤيد الدين بدوره على أكمل وجه، وكان له أثر بارز على الأحداث التي مرت بالمنطقة في تلك الأوقات، وكذلك فعل مؤيد الدين السيسي في عام 2017م. وخلاصة الجهود الدبلوماسية التترية أنهم تعاونوا مع ملوك النصارى، وكذلك تحالفوا مع بعض أمراء المسلمين، ومع الوزير الفاسد مؤيد الدين العلقمي الشيعي، ويجدر القول هنا أن المسلمين بصفة عامة كانوا يراقبون الموقف عن بُعد وكأنه لا يعنيهم، تماماً كما يحدث الآن من وأد للربيع العربي بسجن الثوار وقتلهم ونفيهم وتهجيرهم، والشعوب العربية الفطن منها لا يتفاعل إلا بهاشتاقات لا تسمن ولا تغني من جوع.

وفي خطوة عجيبة طلب هولاكو من مؤيد الدين أن يقنع الخليفة أن يخفض من ميزانية الجيش، وأن يقلل من أعداد الجنود، وأن لا يصرف أذهان الدولة إلى قضايا التسليح والحرب، بل يُحول الجيش إلى الأعمال المدنية من زراعة وصناعة وغيرها!! وكأنه يتحدث عن جيش نعرفه يتقن "الكعك"، ويبرع في بيع السكر والزيت المستورد!! ويبني الجسور ويزرع الخضروات، وقد قام بذلك فعلاً مؤيد الدين العلقمي ومؤيد الدين العلقمي نسخة 2017 أيضاً.

ختم هولاكو مباحثاته مع المبعوثين بأنه ما جاء إلى هذه البلاد إلا لإرساء قواعد العدل والحرية والأمان، وبمجرد أن تستقر الأمور سيترك العراقيين يضعون دستورهم، ويديرون شؤون بلادهم

في يوم 12 محرم من سنة 656 هـ حاصر المغول بغداد فجمع الخليفة مستشاريه، وبطبيعة الحال فإن مؤيد الدين العلقمي سيكون نسخة من مؤيد الدين أبو مازن الفلسطيني، فقد أشار العميل العلقمي إلى إقامة "مباحثات سلام" مع التتار الذين كانوا يدكون حصون المدينة، تماماً كمحمود عباس عندما كانت حرب غزة الأخيرة، ولا مانع من كثير من التنازلات، فكان العلقمي يوسع الفجوة جداً بين إمكانيات العدو وإمكانيات المسلمين، كي لا يبقى هناك أمل في المقاومة كخلفه عباس 2017م. اشتد الحصار على الخليفة فقرّر أن يرسل للتفاوض مع التتار وزيره الخائن مؤيد الدين العلقمي في مشهد يذكر بامتلاء الساحات في مصر لتفويض السيسي، وامتلاء الصناديق في تونس لانتخاب السبسي، وامتلاء الجبهات في ليبيا للقتال مع حفتر!! وقد ضم الوفد المفاوض أيضاً البطريرك النصراني في بغداد "ماكيكا"!

وعاد المبعوثان العجيبان من عند هولاكو إلى الخليفة يحملان له طلباً عجيباً، لقد سمع هولاكو بـ"المتطرفين" داخل بغداد، والذين ينادون بشيء خطير "الجهاد"، هذه الدعوة التي ستنسف كل مباحثات "السلام"! وكأنها مفاوضات حصار قطر لإيقاف دعم حماس وتسليم الدكتور القرضاوي، من جمعٍ من (علاقمة 2017)، لقد طُلب من الخليفة أن يسلم كل رؤوس الحركة الإسلامية في بغداد، وتحديداً "مجاهد الدين أيبك" الذي كانا يتزعم فكرة المقاومة! استمرت المفاوضات، إلى أن جاء العلقمي مستبشراً يَعِدُ الخليفة بالأمان لأهل بغداد، مقابل تدمير الحصون، ردم الخنادق، تسليم الأسلحة، والموافقة على أن يكون حكم بغداد تحت رعاية أو مراقبة تترية!

لقد ختم هولاكو مباحثاته مع المبعوثين بأنه ما جاء إلى هذه البلاد إلا لإرساء قواعد العدل والحرية والأمان، وبمجرد أن تستقر الأمور سيترك العراقيين يضعون دستورهم، ويديرون شؤون بلادهم بأنفسهم! تماماً كما يريد عادل الجبير ومحمد بن زايد و"عيال زايد" والسيسي، من اليمنيين والليبيين والتونسيين والمصريين أن ينعموا بالحرية والديمقراطية اللتان تنعم بهما الإمارات والسعودية والبحرين!
يتبع ..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة