حمامة بيضاء

كثيرة هي التحديات التي يواجهها العالم في عصرنا الحالي، ولعل من أهم التحديات الملحة فهم ونشر المعنى الحقيقي للسلام. فأغلب المجتمعات تتكون من أطياف مختلفة من البشر، مختلفون عن بعضهم في الدين أو المذهب أو الموقع الاجتماعي، والذي يجمع بين هذه الأطياف المختلفة هو العقد الاجتماعي، وهو الالتزام غير مكتوب يتناول حقوق وواجبات كل طرف من أطراف المجتمع.
عندما كنت صغيراً أخبرني والديّ أنه يجب أن أكون رحيماً مع إخواني وأصدقائي وحتى مع الحيوانات، وكنت قد فهمت أن التراحم يعني العطف، ومع مرور الوقت اكتشفت من خلال الممارسة وبفضل والديّ كيف أكون رحيما.. التراحم يكون من خلال العطاء والمشاركة، يجب أن تكون معطاءً ومشاركاً، فلا يمكن تعلم العطاء والمشاركة بالتلقين والتنظير، بل من خلال ممارستهما كأسلوب حياة، وعلى الرغم من صعوبة أن تكون إنساناً رحيماً ومشاركاً -أحياناً- خصوصاً عندما تكون طفلاً، إلا أنه لا سبيل لتعلم التراحم إلا من خلال ممارسته ومعايشته مع الآخرين بالحياة اليومية ومن خلال مواقف الحياة.

أثار اهتمامي كثيراً أن معنى السلام في اللغة ألا وهو الخضوع والاستسلام، إلا أني اعتبرت هذا التفسير به جزء كبير من السلبية والتنازل عن الحقوق دون مساواة.

وعندما أصبحت شاباً تعرفت على مفهوم السلام نظرياً من خلال المدرسة وارتبط مفهوم السلام عندي بالحمامة البيضاء فقط، ولم يعن لي شيئاً آنذاك إلا كف العنف والنزاع بين الدول بعد الحرب.. ثم بعد تخرجي من الجامعة وما عانيت خلال هذه الفترة من مصاعب عرفت لاحقاً بأنها تسمى (تمييز)، وجدت نفسي منكباً على قراءة كتب حقوق الإنسان وباحثاً عن مبادئ حقوق الإنسان ومفاهيمه، محاولاً إسقاط تجاربي والمواقف التي تعرضت لها على ما اكتشفته في هذا المجال.

وطنت نفسي وتربيت على مفاهيم حقوق الإنسان واستطعت التحكم بمشاعر الغضب والانتقام التي راودتني بسبب ما تعرضت له أنا وغيري من البدون، فحولت هذه المعلومات وهذا العلم وما تربيت عليه في صغري من تراحم كدرع يقيني من الانجرار وراء من ينتهج العنف للدفاع عن قضايا البدون والحصول على الحقوق. ووجدت من الملائم لترجمة هذه الحالة التي أعيشها أن أتخصص بمجال حقوق الإنسان.

ومن خلال الدراسات العليا أبحرت بمبادئ حقوق الإنسان ومفهوم وفلسفة السلام والرؤية الواقعية التي يطرحها بعض المفكرين عن السلام الحقيقي. وكنت قد طبقت ما أعرفه عن التراحم على مفهوم السلام، فوجدت أن السلام في جوهرة ما هو إلا تراحم. فالسلام تراحم بين الأفراد والشعوب والدول وحتى زملاء العمل. وكان التحدي هو ليس سؤالي المتكرر لنفسي، كيف أكون مسالماً وكيف أتعايش بسلام؟ وكيف أشارك السلام مع الآخرين؟ وكيف أمارسه نظرياً؟ وإنما كيف أطبقه عملياً في المواقف التي أمر بها.

كثيراً ما ألهمتني قصة الشاب جيرمي جيلي صاحب الفكرة المجنونة والذي استطاع أن يقنع العالم بأن يحاولوا العيش بسلام ليوم واحد

أثار اهتمامي كثيراً أن معنى السلام في اللغة ألا وهو الخضوع والاستسلام، إلا أني اعتبرت هذا التفسير به جزء كبير من السلبية والتنازل عن الحقوق دون مساواة. وحتى اليوم لم أجد فعلا يصف معنى السلام، فالسلام هو حالة من خلالها نتصرف بدافع التراحم. لكن كيف نتصرف بسلام إذا لم نملك السلام؟
يجب أن يكون السلام أسلوب حياة وممارسة، وهو مظهر ديناميكي لحقيقة ذوات البشر التي في فطرتها التراحم والعطف. فأنا لا أعرف لماذا يفضل شخص أو دولة ما لغة العنف على أن يحكما لغة العقل والمنطق؟ وهي لغة السلام للوصول إلى حل لما يواجهه بطرق سلمية وهادئة.

السلام هو السعادة والتراحم، هو شعور الراحة والطمأنينة، هو منهج روحي وسلوكي وعملي لا يمكن للبشري التواجد على الأرض من غيره والتعايش بسلام دائم. نحتاج لصحوة عالمية لنشر مفهوم السلام واستعادة المعنى الحقيقي للسلام. فهو عمل مرهق ولكن ليس بصعب، يمكننا أن نغير هذا العالم، يمكننا أن ننقذ هذا العالم، لذا علينا أن نقوم به بأنفسنا والآن.

كثيراً ما ألهمتني قصة الشاب جيرمي جيلي صاحب الفكرة المجنونة والذي استطاع أن يقنع العالم بأن يحاولوا العيش بسلام ليوم واحد، يوم الواحد والعشرون من سبتمبر. وكيف أن هذه الفكرة الجنونية أصبحت حقيقة. حقيقية بما يكفي لمساعدة الكثير للعيش ولو ليوم من السلام، ليس بصعب فالمسؤولية تقع علينا جميعاً أفراداً ومجتمعات للمحاولة والبدء من جديد.
فهل نحن قادرون على ممارسة وسلوك قائم على احترام النوع الإنساني، والتعايش بين الأفراد والدول بسلم وطمأنينة وقبول اختلاف الآخر والتعايش مع الاختلاف؟



حول هذه القصة

تنتشر تماثيل الأسود على نطاق واسع في الصين، وتتعدد استخداماتها وتتنوع الطقوس المتعلقة بها، وتستوقف الزائر للصين مناظر تلك التماثيل وهي تنتشر في الساحات وأمام المحال التجارية والمؤسسات وحتى المنازل.

17/7/2017

قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن تشعب التحقيقات في شبهات فساد حول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يظهر انتشار الفساد بأوساط السلطة بإسرائيل، بينما استغربت صحيفة يديعوت أحرونوت عدم استقالة نتنياهو.

17/7/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة