ثلاثة منطقيات بثلاث غيبيات

1- "فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا"..
2 –
"فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"..
3 –
"فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ  قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا".

عند قراءتي لسورة الكهف وصولاً لقصة سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح "الخضر"، وخصوصاً عند الآيات السابقة أعلاه، أقف لحظةً ملكيةً مثلي مثل أيَّ قارئٍ يحدق في السقف لعدة دقائق وقد تمتد لسِوَيعات.. أقف متأملاً لعدة تساؤلات في مخيلتي باحثاً مستكشفاً عن إجاباتها.. كيف لرجل أن يقوم بخرق سفينة قد قام صاحبها بمساعدتهما وإركابهما في السفينة؟! كيف لرجل أن يقتل غلاماً بمجرد رؤيته لوهلة؟! كيف لرجل أن يقابل احساناً لأبخل قرية عرفها التاريخ، قابلوهما بلُؤْم ونذالة؟!

يجب عليك أن تستسلم للغيب… أن تستسلم لله سبحانه وتعالى، لانّ العقل البشري مهما كان متفوقاً سيبقى قاصراً ولن يستطيع أن يفهم أقدار الله وأن يحيط بسرائر مثل هذه الأحداث الثلاث

ثلاثة أفعال ظواهرها لا تحتمل قد لا تغتفر، بعيدة ًكل البعد عن المنطق والفطرة السليمة، غير مقبولة لمنهج الله بشريعتنا بعدها أصبحت معقولة منطقية! كيف لي أن أفهم هذه العلاقة المركبة بين (العقل أو المنطق) مع الوجود الآخر المحجوب عن أنظار الإنسان (الغيب أو القدر)! وكيف أن "القدر موكّل بالمنطق!.." إلا أنّ كثير من مواقف الحياة المفصلية يقف الانسان عندها ولا يعلم أيهما يقدم العقل أم الاستسلام للغيب؟!

الأصل والفطرة السليمة غالباً في مواجهة مثل هذه الأمور تكون بشكل أساسيّ، أن نكون مثل شريعة موسى عليه السلام، أن نكون عقلانيين، أن نقدم العقل على الغيب، "الغيب النسبي"، فالآيات السابقة واضحة وصريحة تشير إلى فطرة ومنطق كليم الله موسى عليه السلام الذي يمثل (العقل والمنطق) على الخضر الذي يمثل (الغيب والقدر)، وكيف أنّه أنكر وسعى جاهداً لعدة مرات لاستكشاف حقائق الأمور وخاصة الأمور الواقعية التي تحدث تحت سمعه وبصره من خلال عقله الذي لا يستطيع إدراك محيطه الخارجي إلا بسبب ولسبب.

 

فالملائكة قد تساءلت عن حكمة خلقنا "أتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء" وخليل الله إبراهيم عليه السلام يدعو ربه قائلاً: " رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي…" وبالرجوع الى موسى عليه السلام في موضع أخر، يرجو ربه قائلاً "رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ…". والكثير من الوقائع القرآنية التي تبين مكانة ودور العقل بأنه ريادي في فهم الواقع الذي نحتاج للحكم والسير عليه.

هذه الأحداث الثلاث بين موسى والخضر يجب أن تكون نبراساً لنا في مواجهتنا لمثل هذه الأنواع من الأحداث في حياتنا، وهو أن الشيء الذي لا تستطيع إدراكه وخارج عن دائرة المنطق لديك، ولم يكن ضمن شريعتك السليمة، ولم تعرف مبرره، في حينها ينبغي لك أن تقتنع بكلمة الخضر "إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا".

 

عليك أن تعلم أيضاً أنّ ما نحن إلّا كالواقفين وراء الأستار، لا يُكشف لنا عما وراءها من الأسرار إلا بمقدار شريعتنا والتي تختلف عن شريعة الخضر

يجب عليك أن تستسلم للغيب… أن تستسلم لله سبحانه وتعالى، لانّ العقل البشري مهما كان متفوقاً سيبقى قاصراً ولن يستطيع أن يفهم أقدار الله وأن يحيط بسرائر مثل هذه الأحداث الثلاث، ولن يستطيع أن يعرف حكمة كل أمرٍ إلا إذا كان لك عِلماً كعلم الخضر وهذا مستحيل. حتى مع افتراض المستحيل، النتيجة محكومة بالفشل، لأنَّ ما فعله الخضر كان بوحي ربانيّ ولذلك قال: "وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي". بالعقل البشري تصل إلى الله، لكن لن تستطيع أنّ تحيط به، بمعنى أدق أن هذا العقل حتّى ولو كان عقل نبيّ سيكون عاجز عن إدراك حكمة الله في كل أفعاله.

وكما قال صاحب الظلال في تفسيره "والإيمان بالغيب هو العتبةُ التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوانِ الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الود أكبر وأشمل من ذلك الحيِّز الصغير المحدَّد الذي تُدرِكه الحواسُّ – أو الأجهزة التي هي امتدادٌ للحواس – وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقةِ وجوده الذاتي، ولحقيقة القُوَى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس مَن يعيش في هذا الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمَن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته".

وأخيراً… عليك أن تعلم أيضاً أنّ ما نحن إلّا كالواقفين وراء الأستار، لا يُكشف لنا عما وراءها من الأسرار إلا بمقدار شريعتنا والتي تختلف عن شريعة الخضر، وأنّ العقل المصاحب باليقين مطالبُ بالإيمان بالغيب مع وجود الصبر، وكأنَّنا نردِّد ما قاله نبينا المختار "لو صبَر أخي موسى"، نعَم!، لو صبر لعلمنا الكثير مما تُخفيه كهوف الدنيا التي تواري الحقائق عنا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة