"السلاح النووي".. الحكم في اتحاد الكوريتان

لا تزال المشكلة الكورية تُمثّل حاملاً مهماً للمحادثات الدائمة في أروقة السياسات الاستراتيجية العالمية، باعتبارها إحدى المستمسكات الدقيقة لتقييم مصير الترتيبات الأمنية والجيوسياسية التي قد تنشأ في المعادلة الإقليمية لمنطقة شرق آسيا برمتها. يقول الساسة الأميركيون إن مشكلة كوريا الشمالية تأخذ منحى متطرفا كلما تقدم الوقت، ولكن الرؤية الأميركية المطروحة بشأن تسوية تلك الأزمة لا تزال غير واضحة حتى اللحظة.
بالنسبة للأميركيين، ثمة سبب جوهري يفرض ضرورة إعادة تقييم الاستراتيجيات الأمنية التي اكتسبت مكانة مميزة في شرق آسيا، والتي تنطلق أساساً من "الخيار النووي" باعتباره أحد موجبات الردع الاستراتيجي من جهة، والنظر إليه كأداة لتوازن القوى من جهة أخرى، وفي معظم الحالات فإن انطلاق سباق تسلح نووي في تلك المنطقة المضطربة سوف يُقوّض من قدرة الولايات المتحدة الأميركية في السيطرة المركزية على البيئة الأمنية الآسيوية، لأنه سوف يخدم بالمقابل الصين التي تنبعث المخاوف من آمالها المستقبلية. وعلينا ألا نستبعد أيضا أن تبادر اليابان إلى التخلي عن سياسة الاعتماد على الولايات المتحدة في قضايا الدفاع والأمن القومي، وذلك من خلال اللجوء إلى تطوير قدرة نووية أساسية.

يعترف منظرو المدرسة الواقعية في أميريكا بأن سياسة النبذ والعزل لم تحمل أي نجاحات بشأن تخلي النظام في كوريا الشمالية عن برنامجه للتسلح النووي، بل إن مقاربة "الصبر الاستراتيجي" التي اتبعتها إدارة أوباما السابقة لم تُؤت أُكلها في ترويض بيونغ يانغ، بل تعززت لدى النظام الكوري النزعة التاريخية نحو إزعاج وتحدي السياسة الأميركية. وهذا ما يجعل العديد من صناع الفكر الاستراتيجي في واشنطن يواجهون مشكلة كبيرة في استيعاب النسق العقدي لكوريا الشمالية، في حين يبقى الحد الأقصى في فهم مشكلة كوريا الشمالية كامنٌ في تقدير العمر الافتراضي للنظام الصارم في بيونغ يانغ، والحالة التي سيؤول إليها في حال انفتاحه على العالم، والمكانة التي يشغلها برنامجه النووي في استراتيجيته للبقاء.

إدارة ترمب تبدو حازمة في معاقبة نظام كيم جونغ أون، إلا أنها تفتقد الأدلة القاطعة حول قدرة بيونغ يانغ في استيعاب ضربة عسكرية خارجية.

حاولت الدبلوماسية الصينية لعب دور عقلاني ما بين جارتها كوريا الشمالية وشريكتها الولايات المتحدة الأميركية، ولكن الأوراق التي كانت تُلوّح بها بكين لم تكن لتشبع رغبات النظام الحاكم في كوريا الشمالية، وهو الأساس المنطقي لعدم انسجام الكوريين مع الوساطة الصينية لتسوية الأزمة، ولعل في تماهي الصين مع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الأمم المتحدة على كوريا الشمالية، سبباً كافيا لفشل الدبلوماسية الصينية حيال القضية النووية، ومن ذلك أن الكوريين يعتبرون أن السلاح النووي يمثل بديلا استراتيجيا للتدخل الصيني كورقة بيد النظام الشمالي للدفاع عن نفسه حتى الرمق الأخير.

يشيع في أوساط النخبة السياسية في واشنطن فشل الرهان على قدرة الصين وروسيا في اقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن خيار التسلح النووي، ولو نظرنا إلى المسألة من زاوية الديالكتيك الذي يسود في أروقة السياسة الأمريكية طوال العقود الماضية، فإنه يمكن القول : أن الصين وروسيا لا تبدوان داعمتان للموقف الأمريكي تجاه الأزمة مع كوريا الشمالية من كافة أوجهها، وقد حذرت بكين وموسكو واشنطن في مجرى الأزمة من الانزلاق العسكري، لأنه سوف يؤدي إلى فتح جبهات حربية في المنطقة. ومن هنا يهمنا طرح هذا التساؤل : في أي تجاه تسير مواقف موسكو وبكين في مسألة كوريا الشمالية؟.

هناك مخاوف استراتيجية جادة مبعثُها نزوع الولايات المتحدة الأمريكية إلى صياغة معادلة جديدة في شرق آسيا لا تراعي الاحتياجات الأمنية لروسيا والصين، بوصفه يصب في إطار محاصرة العمق الإستراتيجي لروسيا في آسيا من جهة، واحتواء النفوذ الصيني في المنطقة ذاتها، تمهيداً لفرض ميزان للقوى في آسيا تتولى فيه الولايات المتحدة دور الموازن الخارجي الوحيد.

تنساق تلك الهواجس الأمنية مع شيوع مقولة في الولايات المتحدة الأمريكية أن سيناريو توحيد شبه الجزيرة الكورية قادم لا محالة، وفي مثل هذا الموقف، فإن على خبراء الإستراتيجية التعامل مع التخطيط طويل المدى حيال المكانة التي ستشغلها كوريا الموحدة في آسيا، وهي المنطقة التي تقع ضمن المجالات الحيوية لقوى صاعدة لها تأثير في السياسة العالمية، "اليابان، الصين، روسيا"، اثنين منها تمتلك ترسانة نووية، مع دولة ثالثة "هي اليابان" تنبعث الهواجس حول مكانتها المستقبلية، ولذا فإن الدوافع الأمريكية لتوحيد كوريا تبدو قوية جداً. كما أن وجود كوريا موحدةً سوف يضمن تحولها إلى دولة صناعية وتقنية كبرى في آسيا.

حيازة الأسلحة النووية سوف يمثل ورقة المساومة الأخيرة بيد الزعيم جونغ أون في حال حدوث فوضى داخلية، أو فقدان السيطرة المركزية على البلاد نتيجة هجمات تشنها الولايات المتحدة.

وفي حال وضعنا في الحسبان رغبة زعامة كوريا الشمالية في السيطرة على شقيقتها كوريا الجنوبية بهدف ضمها تحت راية النظام الشمالي؛ فإن الخيار النووي سوف يكون بمثابة الحَكَم لما ستتمخض عنه مثل هذه الأزمة، لا سيما في حال تدخل الولايات المتحدة، ولذا تبدو المهمة شاقة جداً، ويدخل ضمن هذا السياق، وهو ما يتردد في دوائر السياسة الأمريكية، حول الغموض الإستراتيجي الذي يكتنف التقييمات الاستخبارية والعسكرية حول القدرات النوعية "الدفاعية والهجومية" التي يمتلكها نظام كوريا الشمالية، والسلوك الذي يمكن أن يتبناه هذا النظام في حال تعرض لهجوم من قبل الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية.

بالنسبة لإدارة ترمب، والتي تبدو حازمة في معاقبة نظام كيم جونغ أون، إلا أنها تفتقد حتى اللحظة، إلى الأدلة القاطعة حول قدرة بيونغ يانغ في استيعاب ضربة عسكرية خارجية، ومدى اندفاعها نحو توجيه ضربة عسكرية للانتقام، والواقع أن الفكرة بأن كوريا الشمالية لا تمتلك القدرة على "الضربة العسكرية الثانية" لا تزال خاضعةً للتحري والتمحيص من قبل خبراء الإستراتيجية العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأهم الدروس الإستراتيجية في الإحاطة بكوريا الشمالية هو شل قدرة النظام بصورة كاملة، بحيث تأمن الولايات المتحدة من اقدامه على شن ضربات عنيفة ضد تحالفات ومصالح أمريكا في كوريا الجنوبية أو اليابان أو في أراضي تتبع للولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ولذا فإن ايقاع هزيمة سريعة وحاسمة لكوريا الشمالية لن يكون تأمينه سهلاً، وفي حال امتلكت بيونغ يانغ قدرة "الردع النووي"، فإنها سوف تكون قادرة على تغيير قواعد المعادلة الإستراتيجية، وعلى أي حال، يمكن للأسلحة النووية أن تقلل من مستوى التهديدات التي يمكن أن يتعرض لها نظام كوريا الشمالية في حال نشوب حرب إقليمية.

ويفترض هذا الموقف أن حيازة الأسلحة النووية سوف يمثل ورقة المساومة الأخيرة بيد الزعيم جونغ أون في حال حدوث فوضى داخلية، أو فقدان السيطرة المركزية على البلاد نتيجة هجمات تشنها الولايات المتحدة، وحيث يمكن للنظام تحقيق هدنة على أسس مقبولة له عبر التهديد بالتصعيد النووي. إذن فالأقصى في مشكلة كوريا الشمالية أن الولايات المتحدة لا تريد أن يكون العلاج أسوأ من المرض نفسه، لأنها لن تحقق السلام الإقليمي في آسيا، وسوف تفقد الثقة النهائية في فاعلية دورها الإستراتيجي في تحقيق الأمن الإقليمي والعالمي. والأدنى هو في المراهنة على امكانية حدوث انهيار مفاجئ للنظام تحت ضغط البيئة المحلية، وهو احتمال يبدو ضعيفاً إلى حد ما، فضلاً عن كونه يكتنف الكثير من الأعباء التي تنوء بحملها الكواهل، مع احتمالية أن تنزلق الفوضى في عموم شبه الجزيرة الكورية على نحو غير سار.



حول هذه القصة

تظاهر عشرات الفلسطينيين اليوم الأحد عند دوار الشهداء بمدينة نابلس (كبرى مدن شمال الضفة الغربية) رفضا لإجراءات الاحتلال بالقدس وإغلاق المسجد الأقصى، وتأكيد أن القدس ستبقى عاصمة الدولة الفلسطينية.

16/7/2017

رفض رئيس البرلمان الليبي المنعقد بطبرق عقيلة صالح خريطة الطريق التي اقترحها في وقت سابق رئيس مجلس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج.

16/7/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة