"الحزن" أدنى عقوبة نستحقها

أنا آسفة! جد آسفة لما أصيب به نفوسكم من إعياء في كل مرة يسوق إليكم القدر سطورًا دونتُها، تشق طريقها إلى مُقلكم فعقولكم حاملة للقلوب أيضًا قدرًا لا يستهان به من الحزن. وأود -قبل كل شيء- أن أعفي من أي حرج كل من قرر مغادرة رحلتي عند هذه المحطة، فور أن لمحت عيناه تلك الكلمة البغيضة مجددًا.. "الحزن".

تعودت أن أكون ممن لا يرون داعيًا للتَحوُّب إذا ما أجبرهم المحتوى المطروح على افتراق السبل، وفي هذه الحال تحديدًا وفي بلاد كبلادنا ما بقي إلا أن تجرع مواطنيها مزيج الهم والهوان بديلًا عن الماء البارد، لا لوم لي على قارئ قرر سد مدخل ارتاب في أن يفتح على روحه بابًا جديدًا من أبواب الضيق.

ربما سلكتُ مسلك الذين رفعوا أيديهم عن إتمام القراءة إذا بُدلت بيننا المواقع؛ فالحقيقة أن الحياة مليئة بمشاعر مغايرة لتلك التي تستحوذ على كتاباتي، كما أن السعادة شعور لطيف سهل نعيش حياتنا كلها ساعين للفوز به، سالكين نحو بلوغه طرق شتى، كذلك هو الحديث عنها طيب، عذب، سائغ، بل دعني أخبرك أن شيئًا ليس أخف على النفس وقعًا من الاطلاع على أدب السعادة الغض. أضف إلى كل ما ذكرت من حقائق أن ليس من العدل تقلب الدهر على بعضنا دون الآخر فتنحصر بذلك حياة امرئ منا في حزن أو فرح، ولا من المعقول أن يُخلق أحدنا بأفق ضيق ونظرة قصيرة إلى الحد الذي لا يلمح معه في حياته فرحًا وإن كان عابرًا.

ألا يرى هؤلاء في مخالفة أوامر الله -عز وجل- ذنبًا كافيًا ليسقط علينا غضبه؟! يقول "وَتَعَاوَنُوا" فنصرّ على المجافاة، وينادي أن "اعْتَصِمُوا" وحكامنا يأبون إلا الفرقة والقطيعة

كل هذه حقائق جلية لا اختلف معك عليها إطلاقًا، لكنني أتحدث مرارًا بحزن لأن ادعاء الفرح بحال بلادنا هو مراوغة غير مقبولة، أتحدث بحزن لأن بلادي لا تنشر في قلبي سواه ولا تقدم لي غيره متفننة متفانية في مضاعفته على نفسي ونفوس أهلها كل يوم، وأتحدث عن الحزن لأنه أضحى أكبر من تجاهله إلى غيره، ولأن مروءتي تفرض هذا الحديث عليّ، أتحدث عنه لا حبًا لذلك إنما أملًا في أن يكون حديثي إنعاشًا للقلوب التي مات فيها بتعاقب الأهوال الكثير، أكتب عن الحزن لأخبر ذويها أنني مثلهم حزينة، حزينة لتعاقب الأهوال وحزينة لموت قلوبهم التي هي أول آمالي وآخرها في إيقاف هذه الشدائد المتتاليات.

وبعد أن بقيَ لكل فرد من الأشياء الجميلة التي تحفظ للنفس إنسانيتها قدرًا بالغ الضآلة، ما وجب أن نستهلك الضئيل الباقي في السخرية من الأحداث المتكالبة على عواتقنا مما لا تدعو ظواهرها وبواطنها بين الشعوب الواعية إلا للحنق والثورة؛ لذلك إن كنت تبحث بين أسطري عن السخرية التي تعودتها ردًا على كل صادم يحل من قصر الرئاسة إلى أرضنا مباشرة فأنت حتمًا قد أخطأت الوجهة، فنحن -إن لم تلحظ- قد بلغنا من القهر درجة متقدمة لا تكون معها السخريةُ إلا تضليلًا جديدًا، والضئيل لدي من المروءة هو مانعي عن التضليل وهو ذاته دافعي إلى تذكيرك الدائم بالحزن الذي ما كبر عن أن يكون أقل ما ينبغي بذله ما دمنا عاجزين عن تقديم ردود أقوى، أو قل عن تقديم أي ردود.

الحقيقة أن الحزن قد وقع ببلادنا فأبى إلا أن يأخذ منها كل مأخذ، وأن الزمن قد تغير بأرضنا مما بيننا وبينه، فإنما نحن بالحزن في زمن من نفوسنا المقهورة بالفقد أو المعذبة بالغلاء والكبت، زمن لا يسمى الوقت ولكن يسمى الشقاء وإنما نعيش في أيام صعبة خطرة تُفقد المرء تباعًا ما لا يمكنه استرداده مجددًا، أيام لا تدل على أوقاتها الساعة بدقائقها وثوانيها، ولكنّ التعاسةَ بحقائقها ونوباتها، تلك التعاسة التي تراها المبرر الوحيد لعبوس وجوه المنطلقين إلى أعمالهم صباحًا، وذلك الشقاء الذي لن تجد غيره مترجمًا لكل اشتباك بالكلمات أو بالأيدي تراه في شوارعنا المستاءة من هوان حالنا.

هذا الحزن الذي يفترض أن نعيشه هو أدنى عقوبة يمكن أن نطبقها على أنفسنا بعد سنوات طوال من الصمت والتعايش مع ما لا يُحتمل، وإلا فعلينا ترقب عقاب رباني أشد قسوة من الحزن وأكثر عدلًا من مجازاتنا لأنفسنا وربما أقل رحمة من إشارات إلهية سابقة، وإنني بجهلي وعجزي أشعر أن السماء إذا انكشف غطاؤها لما أسفر عن شيء سوى غضب قريب يكاد أن يلمس رؤوسنا بعد أن اختارت بظلمها وجهلها حمل الأمانة ثم تهاونت في حفظها وتقديرها، غضب يوشك أن يفتك بهذا الجمع العابث الذي يزداد فيه بغي الطغاة دون رادع أو محتج ويزيد فيه ترف الأغنياء بلا محاسب أو مراجع، غضب لا يحول بيننا وبينه غير نفحات رحمة قلائل بمَن بيننا من أطفال حالمين وأصحاب قلوب طيبة ممن لا يرومون شيئًا غير المرور في هذه الدنيا بسلام.

هل ما نعيشه الآن من اضمحلال لأخلاقنا وذوقنا العام قد أبقى لنا من أصالة العروبة أو قد ترك لنا من رقي الإنسانية شيئًا نستطيع أن ننميه فينا مرة أخرى؟!

كل عجبي من هؤلاء الذين أمنوا مكر الله، أولئك الذين يرون غضبه المرتقب بعيدًا، ولم يعوا بعد أن قد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدينا، وأن كل معاناتنا من البداية سببها آثامنا وأمراضنا، ليست آثام ترك الصلاة والكذب والرشوة فحسب بل قدم عليها آثام البغض الذي أمرض قلوبنا؛ لنقبل الدماء المهرقة في كل جانب من أوطاننا بهذا الصدر الرحب ما كانت دماؤنا ودماء ذوينا في حفظ مزعوم، وذنب السكوت إزاء سلب الحقوق والحريات، وعقاب الخضوع أمام التفريط في الدم والكرامة والأرض، ألا يرى هؤلاء في مخالفة أوامر الله -عز وجل- ذنبًا كافيًا ليسقط علينا غضبه؟! يقول "وَتَعَاوَنُوا" فنصرّ على المجافاة، وينادي أن "اعْتَصِمُوا" وحكامنا يأبون إلا الفرقة والقطيعة.

إنني أستيقظ كل صباح وأنام كل ليلة وفي رأسي سؤال واحد: أفي الممكن هذا؟! أيعقل أن يخلع شعب بأكمله روحًا ويلبس روحًا في سنوات لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، يتجرد من روح العزم والقوة -التي بدا للناظر حينها أن قد سيطرَت على هؤلاء المنادين بالحرية حد التملك- إلى روح الاستسلام والتسليم بهذه السهولة وبهذا التهاون؟!

أفي المنطق فكرة تؤيد أن تستحيل أيامنا من أيامٍ هتفنا فيها فلم يمتاز صوت من صوت ولم يَبين هتاف من هتاف إلى أيام لا يقبل فيها الواحد منا رؤية وجه جاره؟! أما نعيشه الآن من اضمحلال لأخلاقنا وذوقنا العام قد أبقى لنا من أصالة العروبة أو قد ترك لنا من رقي الإنسانية شيئًا نستطيع أن ننميه فينا مرة أخرى؟! أنحن أولاء الذين تشابكت أيدينا في ليلة باردة فلم تفرق عيوننا بين ذات الهلال وذات الصليب، ثم صنعنا بهذه الوحدة ثورة بيضاء لم يلوثها إلا كل ما أتى بعدها؟! أكانت حقيقة تلك أم كان حلمًا، وإن كان حلمًا فهل له أن يتكرر فينتهي بنهاية تليق برقيه؟! أو هل لنا أن نعيش فيه ما بقي من العمر؟! أفي الممكن هذا؟!



حول هذه القصة

أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شدد على أن وحدة منطقة الخليج مهمة لهزيمة الإرهاب، وذلك في اتصالات أجراها مع أمير قطر وملك السعودية وولي عهد أبو ظبي.

3/7/2017

عبّر مسؤول يمني عن استهجانه وإدانته للاتهامات بالإرهاب التي أطلقها محافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي ضد رموز وقيادات الحكومة الشرعية، واتهمه بمناصرة الانقلابيين.

3/7/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة