إنّي لَأَجِدُ ريحَ يوسُف

لطالما كانت سورة يوسف ملاذاً لي في صغري عندما كنت أشعر بالحزن أو خيبة الأمل، ولا زالتْ تفعل ذلك بي حتى الآن، بل وربما زادتها المظالم والأحداث التي نعيشها جمالاً ودلالةً. لسورة يوسف وقع خاص في قلوب القراء والمستمعين، فهي تبعث على الاطمئنان والراحة ويجد فيها كل حزين سلواه عمّا افتقده أو خسره في حياته. ويكاد هذا الشعور أن يكون عاماً عند الكثير من المسلمين باختلاف درجات فهمهم، وربما كان هناك أسباب متنوعة لهذا الوقع الخاص.

ففي ثناياها يجد الآباء ريح الأسرة الكبيرة التي عصفت بها الأطماع والأهواء، فانتهى بها الحال إلى الشتات والضياع، عندما فرط الإخوة في أحدهم ليخلُ لهم وجه أبيهم، وهي أحداث تحدث في كثير من الأسر حتى لو كانت عريقة، وعائلها ذو حكمة نبوية، وحتى لو بذل الجهد لوأد نار الغيرة والحسد في مهدها "يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا".
 
في ثناياها، يجد الآباء إرشاداً عما يمكن أن يفعلوه ليحافظوا على تماسك ووحدة أبنائهم برغم اختلاف مواهبهم وطموحهم واختلاف درجة محبتهم وقربهم من القلب، وحتى عندما تحصل الكارثة التي تفرق بين الأشقاء، فهناك دوماً مجال لعودة المياه إلى مجاريها رغم الآلام "يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ"، "قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي".

في ثنايا هذه السورة يجد كل مظلوم سلواه، سواء كان الظالم من ذوي القربى، أو من الانتهازيين "وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ" أو من أصحاب الشهوات "وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ" أو من ذوي الفساد في السلطة الذين "بَدَا لَهُمْ" ذلك.

فيها يجد الإخوة الأعداء تمثيلاً بديعاً لسذاجة الأفكار والتصرفات "وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ" عندما تعمى البصائر فلا ترى إلا نيران الحسد والغيرة وهي تهوي بهم في مزالق الجريمة "اقْتُلُوا يُوسُفَ"، مروراً بالكذب "فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ" والاختلاق "إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ" معتمدين على غياب أخيهم أو عجزه عن الدفاع عن نفسه، وتسفيه خبرة ذوي الخبرة "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ".

في ثناياها يجد الشاب الطموح رحلة آماله من بداية تكوّنها كرؤية أو رؤيا، إلى أن تصبح حقيقة كفلق الصبح، مروراً بكل المصاعب والعراقيل التي تعترض السياق لتجعل تحقّق الأماني أثناءها يبدو وكأنه من المستحيلات، فبالرغم من كونه نبي، إلا أن البئر والعبودية والاستغلال والسجن والنسيان كانت عقبات في الطريق، وما بين "إِنِّي رَأَيْتُ" و"هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ" كانت هناك تدابير القدر تسوق السفينة إلى بر الأمان في بحار الواقع وفي سياق المنطق وبذل الأسباب لا في سياق الأماني الكاذبة والتواكل، ولا يملّ الله حتى تملّوا.

في ثناياها يجد الشاب العفيف نفسه وقد أُحيط بكل المغريات وتيسرت له كل سبل الرذيلة إلا أنه يفضل ظُلمةَ سجن الجسد على ظلمات الروح السحيقة التي كان سيهوي فيها فيما لو استجاب للرغبات العابرة ونسي المآلات، ولا يلبث القارئ أن يدرك أن الصبر الجميل يأتي بكل الآمال على طبق من ذهب خالص وبلا أدنى شائبة من ندامة أو خِزي. 

في ثنايا هذه السورة الأعجوبة، تظهر أنماط مجتمعية معبرة تختصر الحكاية، فالتجار لا يهمهم سوى المال حتى لو كانت البضاعة لا تخصهم "وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً"، والمشترين لا يهمهم إلا المنفعة "عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا" والنساء في مجتمعات الرفاهية المفرطة تنساق للغرائز المدمرة في ظل انشغال الرجال بغرائزهم الخاصة بالسلطة والجاه، وصوت الحكمة حتى وإن كان حاضراً "قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ" إلا أنه لا سلطان له، فهو أشبه بسلطة قضائية لا أدوات تنفيذية لها، أو أنها تُداهن السلطة التنفيذية رغَباً أو رَهَباً، والشائعات تنتشر في المجتمع بقدر الفراغ الفكري "وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ"، والظلم يهدد أركان مثل هكذا دول فيقبع البريء في السجن بضع سنين لمجرد رأي أو رغبة "ثُمَّ بَدَا لَهُمْ"، وفي غياهب تلك السجون عالَمٌ آخر من الحكايات والقصص التي لا ينتبه لها مَن هم خارج الأسوار.

في ثنايا هذه السورة يجد كل مظلوم سلواه، سواء كان الظالم من ذوي القربى، أو من الانتهازيين "وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ" أو من أصحاب الشهوات "وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ" أو من ذوي الفساد في السلطة الذين "بَدَا لَهُمْ" ذلك. وأصل تلك المظالم ظلم ُ ذوي القربى، لكن لكل ظلم نهاية، فقد عاد ذوو القربى لطلب الصفح، واعترف ذوو الشهوة بالذنب وبراءة صفحة المظلوم، وجاء ما يقلق مضجع ذي السلطة في قمة يأس المظلوم من التفات الظالم لمظلمته، وبعد محاولة طلب الشفاعة من مقرَّب "اذكرني عند ربك" والتي شاء الله لها الفشل، لتزيد حلكة الظلام ويقترب المشهد من اليأس، الذي حطمت السورة كل أوثانه في أكثر من موضع، ففي تفاصيل حياة الطغاة جوانب ضعف بشرية قد لا تصدقها عقول تابعيهم ولا أعدائهم. وما بين ظلمتَي البئر والسجن وعرش المُلك، إرادة مالك المُلك الذي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ومن العجب أن ييأس مِن عدالة الله مَن تعرضوا لابتلاء أقل مما تعرض له البريء ذو الحسب والنسب يوسف عليه السلام.

حقاً إنها لسورة ملهمة، لا تنقضي إيحاءاتها "وما هذه إلا إضاءات" كما أنها لا تُملّ من كثرة الترديد لأسلوبها العذب وتفاصيل بنائها الرائعة، وتتحدى، رغم بساطة قراءتها، عقول من يريدون الإلمام بها حفظاً أو تفسيراً.

وما بين المشاهد تتناثر تلك العبارات الخالدة للوالد المكلوم، المؤمن بربه برغم اشتداد الألم في الولد وفي البصر وفي الرزق "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ"، "فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا" "إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ" "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا" "قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ"، "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ"، "أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" وحقاً إنها لعباراتٌ خالدة لا تنفكّ تنير دربنا كما أنارت بصيرة الشيخ الضرير وقد ذهب الحزنُ ببصره.

أما العِلم فقد كان الرفيق الدائم ليوسف منذ الرؤيا "وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" مروراً بالعبودية "وكذلك مكنّا ليوسف في الأرض ولنعلمه" فالشباب "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ" فالسجن "ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي" حتى التمكين "رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي" وما ترتب على طلبه من المشقات التي تنوء بحملها الجبال، ثم ما ترتّب على تحصيله من حكمةٍ وصبرٍ وصفحٍ عمن ظلم  "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" وتواضع "أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".

حقاً إنها لسورة ملهمة، لا تنقضي إيحاءاتها "وما هذه إلا إضاءات" كما أنها لا تُملّ من كثرة الترديد لأسلوبها العذب وتفاصيل بنائها الرائعة، وتتحدى، رغم بساطة قراءتها، عقول من يريدون الإلمام بها حفظاً أو تفسيراً، وصدق الله "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" وصَدقَت غريزة الشيخ الضرير الذي يعلم "مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" حيث أرشدته فطرته إلى ولده وهداه إيمانُه المطلق بخالقه فقال رغم الظلمات "إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ"، وها نحن نردد بلا شعور عندما تنتابنا نوائب الدهر فنجد السلوى في هذه السورة الرائعة والذكرى العطرة ليوسف وأبيه ما قاله هذا الأب، إني لأجد ريح يوسف.



حول هذه القصة

ينتسب نحو خمسمئة طالب وطالبة من مختلف الأعمار والمناطق في مدينة القدس إلى مركز زيد بن ثابت لتحفيظ القرآن في بلدة صور باهر جنوب المدينة، لكن المركز مستهدف من الاحتلال.

26/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة