إنَّما الأقصى عقيدة.. مذكرات رمضانية

لطالما رفعنا شعار: "إنَّما الأقصى عقيدة" في مهرجانات القدس والأقصى التي نقيمها بشكل دوري في مختلف أرجاء وطننا المحتل في فلسطين؛ على اختلاف أطيافنا وألواننا السياسية والفكرية كلٌّ منا يحملُه حبُّ الأقصى على تقديم مختلف الإبداعات من عروض وتمثيل وتجسيد وفنٍّ وشعرٍ وخواطر وإنشاد ترسيخًا لمكانة القدس والأقصى في قضية فلسطين والتي هي عنوانها وجوهر الصراع فيها، وعلى اختلاف أشكال التعبير عن ذلك الترسيخ واتفاقي مع بعضها وعدم اتفاقي مع البعض الآخر، إلا أنني كنتُ أقدِّرُ أنَّ للجميع الحقَّ في التعبير بطريقته التي يراها مناسبة، وأنَّنا إنْ لم نتفق معه في ذلك نصحناه وقوَّمناه بما هو أقوم وأكثر استقامةً ومكوثًا تمامًا كما يعبِّرُ النصُّ القرآنيُّ عن ذلك: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) فإنْ أوصلناهم إلى هذه الحقيقة نكون قدْ أخذنا بأيديهم لبرِّ الاستعداد والجهوزية لمفهوم التحرير.

 

من هذا المنطلق كان عليَّ أن أجد تفسيرًا لمعنى وأثر "إنما الأقصى عقيدة" في حياتي وواقعي، وكيف لي أن أخدم المسجد الأقصى ليصل لمرتبة العقيدة، ليكون تطبيقًا فعليّا لمعناها، فما معنى العقيدة؟

 

يُقال أنَّ أصل اشتقاق كلمة العقيدة من (عقد)، وهي في اللغة مَدارها على ثلاثة معانٍ؛ اللزوم، والتأكد، والاستيثاق، وفي الاصطلاح هي اعتقادٌ جازمٌ مُطابقٌ للواقع لا يقبل الشك أو الظن، أي أنَّه قائمٌ على الدليل والبرهان، أيْ أنَّ حقَّنا في كامل المسجد الأقصى -وحين أقول المسجد الأقصى أقصدُ أنَّه كل ما دار عليه السور على أقلِّ تقدير، أي ما شَمِلَ عليه كالمصلى القبليّ والمرواني وقبة الصخرة والساحات والمكتبات بمساحة تقديرها على الأقلّ ١٤٤ دونما- حقٌّ لا يقبلُ أيَّ نقاش أو اجتزاء، أو تقسيمٍ زمانيٍّ أو مكانيٍّ، ولا حتى بواباتٍ إلكترونية، ولا حقَّ تَملُّكٍ فيه لغير المسلمين، والأدلة في ذلك كثيرة وفيها من المؤلفات ما يكفي لتكون هذه الحقيقة متجليةً في أوضح صورها وأدقِّها.

 

ولكنْ ماذا عن المعنى الفعليِّ لهذه الركيزة لهذه العقيدة؟ صدقًا سئمتُ عقدَ المهرجانات، إقامة المسابقات، قراءة خواطري عن الأقصى أو نثرها هنا وهناك، الارتقاب من بعيد، كان دائمًا ينقصني الشعور، ذلك الشعور الحقيقيُّ الذي يُخالج كلَّ من حَظِيَ بالمكوث والرباط والاعتكاف في المسجد الأقصى، لم يكنْ يكفيني أنْ أرقُبَ من بعيد.. هذه المرَّة كان لزامًا أنْ أعيش هذا الشعور واقعًا يتجلّى أمام ناظريَّ، لا من عدسات الكاميرا وسحر وصف كلمات العاشقين هناك، لا أريدُ أنْ أكون مشاهدًا هذه المرَّة، أريدُ أن أكون جزءًا من الصورة، ويومًا لا بُدَّ أنْ أكون المُخرج بل وحتى كاتب النصِّ ولا مانع من دور البطولة.

 

شدُّ الرِّحال إلى المسجد الأقصى في رمضان كان السبيل الأمثل لأعيش المعنى والأثر، وخصوصًا حين يكون للمرة الأولى، فكثيرًا ما سمعتُ حديثًا عن الاعتكاف في المسجد الأقصى في رمضان، ولكنني لم أستطع له سبيلًا حتى هذا العام، بصحبة كثير من الشباب الرائعين المحبين الذين قرروا المخاطرة بأي شيء في سبيل الوصول لمحبوبتهم القدس، تاركين وراء ظهورهم كل منعٍ وتهديدٍ ووعيد، يتسابقون إليها ليفوزوا بحبها، كلُّ واحدٍ فيهم أقصى يمشي على الأرض، جُلُّهم ممن ذاقوا الويلات ولكنَّ ذلك لمْ يُثنهم أبدًا عن الطريق، كلَّمتُ صديقي المُقرَّب واتفقنا على اللقاء بعد أن يعبر كلُّ منا السبيل المتاح له، فأيّا كان السبيل-السبيل القويم- المهم أنْ تصل، هكذا فَقِهناها وهكذا طبَّقناها منهجًا، ليكون العناقُ بعد ساعاتٍ في صحن قبة الصخرة، عناقٌ وكأنَّه لقاء طال أمدُ غيابه، وكأنَّ أرواحنا تُبعثُ من جديد.

 

لم يكن المسجدُ يومًا مكانًا للسجود والعبادة والتلاوة فحسب، بل هو لصناعة القادة، وبناء الفرد، والرقيِّ بالأجيال، وكلُّ أشكال الحياة فيه واجبة بما يرضي الله عزوجلّ

كانت الحياةُ تدبُّ في كل أرجائه، وأمَّا هو فكان باسمًا يضحك، وكأنَّ لسان حاله يقول: يا ليتَ أيّام العام كلَّها رمضان! أينما ولَّيتَ ناظريْكَ في أرجائه لوجدتَ فيه معنى لتلك العقيدة، فالوصول إليه عقيدة، والإفطار فيه عقيدة، وأنْ يجتمع الناس فيه عقيدة، أنْ تُبدع في التقاط الصور له عقيدة، أنْ تُحدث الناس عن مشاعرك ومدى سعادتك عقيدة، بلْ كلُّ صداقة تكوِّنُها فيه عقيدة.

 

لم يكن المسجدُ يومًا مكانًا للسجود والعبادة والتلاوة فحسب، بل هو لصناعة القادة، وبناء الفرد، والرقيِّ بالأجيال، وكلُّ أشكال الحياة فيه واجبة بما يرضي الله عزوجلّ، وكلُّ ادعاءٍ دون ذلك لن يخدم إلا احتلالًا مجرمًا مشؤومًا يريد أن يضرب جذرًا أَشْوَهَ في عمق مفاهيمنا، لتتلقَّفه بعض الألسنُ بجهالةٍ وبغير جهالة، ألا يعي هؤلاء أنَّ هواننا بدأ مذ أصبحت المساجد أماكن تؤدى فيها الصلوات الخمس ولا تزيد عن ذلك، ويدّعي أحدهم ويقول أنّه دار عبادة، أتدري يا هذا ما العبادة؟ هي قولُ الله لنبيه: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

 

ولأنَّ موائد الإفطار فيه عبادة، ومع أذان المغرب الذي تتجلَّى له الأسماع من قلب ساحات المسجد الأقصى، اجتمعنا على مائدة أهل الرباط أهل القدس، من كلِّ مكانٍ جئنا مُلبِّين دعواتِ أمهاتنا من المرابطات، دعوةٌ إلى التوحيد دعوةٌ لله دعوةٌ لنصرة هذا المسجد، دعوةُ الأمِّ لفلذات كبدها بعد اشتياق وطول غياب، ففي فلسطين كلُّ النساء لنا أمهات، وفي المسجد الأقصى كان بيتُنا. كلُّ ركعةٍ فيه بخمسمئة في غيره، وكلُّ سجدةٍ فيه تعني خطوة على طريق التحرير، وكلُّ وِردٍ للقرآن فيه يعني هندسةً لتلك الطريق، وكلُّ قيام فيه طبٌّ للقلوب، وأمّا عن تراويحه فأصواتُ أئمته بلسمُ وشفاء للمسامع والصدور، وكلماتُ القرآن فيه ترسخُ فلا هجران إلا من أبى، كان في كلِّ تفاصيله عقيدة.

 

ذلك الجمال كان في كلِّ مكانٍ فيه، ولكن أبتْ يدُ الخراب والرجس في إحدى الصباحات إلا أن تدنِّسه باقتحامٍ كان تحديّا صارخًا لإرادتنا على إبقائه طاهرًا من كلِّ دَنَس، فاستجمعنا قوانا ووحدَّنا صفَّنا وإنْ كنَّا قليلًا، وإنْ كان البعضُ مُنشغلًا في دروس الصيام وفضائل الوضوء متمترِسًا خلف جدار كُلّما انقضَّ أقاموه ليختبؤوا خلفه، ولكنْ قومًا جعلوا الأقصى عقيدةً وقفوا أمام جمع الجيش مكبرين، صغيرُهم وكبيرُهم، وكان للتكبير في ذلك المقام هيبة عظيمة، الله أكبر من دنسكم، من إجرامكم، من مكركم، من كل قوتكم، ومع كلِّ تكبيرة كانتُ ترتعدُ فرائصهم، وكذلك أيقنتُ حقيقةَ أنَّه مع كلُّ تكبيرةٍ تعلو كانت خمسةٌ أخرى تعلوا، كحبات فسيفسائه وإن صغُرتْ واختلف لونها فمعًا تكون قوية متناسقة.

 

وبعد أن انتصر التكبير، وكان الله مع قلَّةٍ غلبوا كثيرًا، كان للنَّظر للقبة الذهبية في ليل قيام نصيبٌ من عبادة ذلك المُتيَّم، كان غارقًا في الحديث إليها تدفعه اللهفة، يخبرها عن مشاعره وهي تستمع له دون أن تنبس ببنت شفة؛ ولكنّه كان يرى ابتسامةً جميلةً في داخلها، فقال لها: أعلمُ أنَّك تبتسمين ابتسامة لو التفتِ إليَّ بها لوقعتُ مغشيّا عليّ، فقالت له: ولولا أنِّي أخشى عليك سقوطًا لابتسمت، فقال لها: ألا تبتسمين للوقت ليقع مغشيّا عليه فيتركنا هنا ويرحل..

 

ولكن كان لا بُدَّ أنْ يرحل ليعود، ولكنَّه ترك لها رسالة جاء فيها: أَنَا إِنْ ضِعتُ فِيك، فَضَيَاعِي فِيك عِبَادَة، وَكَم سأَشتَاقُ فِيْكِ لِسَجدَة، فَسُجُودِي فِيك وِلَادة، وِإِنّي فِيك مُغرَمٌ، هَذِهِ مِنّي شَهَادَة.. هكذا كانت عقيدة!



حول هذه القصة

طالبت الأمم المتحدة قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، التي تسيطر على شرقي ليبيا، بالتحقيق في عمليات تعذيب وإعدامات نفذتها قواته بحق سجناء دون محاكمة بالمناطق الخاضعة لسيطرتها.

19/7/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة