هيبة الدولة وخيبة الدولة

في البدء كان الإنسان
في إبريل من العام الماضي نشرت الصحف والقنوات الدولية خبرًا عن تدخل القوات الجوية النرويجية بطائرة من طراز "اف 16" لإنقاذ حياة مريض، وذلك بعد دخول المريض لمستشفى في بلدة "بودو" لإجراء عملية خاصة في الرئة والقلب، تسمى "extracorporeal membrane oxygenation"، إلا أن المستشفى لم تتوفر على جهاز "ECMO" الضروري لدعم القلب والرئتين، والذي بدونه يمكن أن يموت المريض أثناء العملية..

وعند البحث عن أقرب مستشفى تتوفر على هذا الجهاز تبين أن الأقرب لهم هي مستشفى "سانت أولاف" بمدينة "تروندهايم"، التي تبعد عن بلدة "بودو" مسافة قدرها 450 كم، وتحتاج السيارة لـ 10 ساعات للقيام بالمهمة، ما يرجح موت المريض قبل وصوله، فقام الأطباء بالاتصال بالقوات الجوية وطلب المساعدة في احضار الجهاز، فما كان منهم إلا أن جهزوا طائرة مقاتلة وتم نقل الجهاز بالسرعة القصوى في زمن بلغ 25 دقيقة فقط بدلاً من 35 دقيقة اللازمة لهذه المسافة في الأوقات العادية، وعند الاستفسار من الأطباء حول الإجراءات التي قامت بها للحصول على تلك الخدمة قالوا "القوات الجوية لم تطلب منا أي شيء ولم تسألنا سوى عن حجم الجهاز اللازم نقله".

حديث هؤلاء عن تنفيذ القانون لأمر غاية في المسخرة. هؤلاء الذين يقتلون ويعتقلون ويعذبون ويخفون آلاف البشر دون أي سند قانوني في مقابل حماية اللصوص والمجرمين أمثال حبيب العادلي الحرامي بحكم محكمة والذي يمتنعون عن تنفيذ الحكم ضده منذ شهور.

على الجانب الآخر من العالم، مجموعة من المواطنين يعيشون في جزيرة الوراق بنهر النيل، يعانون يومياً من ظروف معيشية قاسية بجانب أعباء الحياة التي يعانيها باقي مواطني الدولة جراء الضرائب والجباية التي يسلبها منهم النظام الحاكم بسياسات إفقار وتجويع، وبدلاً من أن تبدأ الدولة في تحسين معيشتهم والتفكير في سبل انتشالهم من هذه الأوضاع المزرية، استيقظوا صباح أول أمس على أصوات عدد كبير من القوات بصحبة جرافات ومعدات هدم لإزالة البيوت التي تأويهم، وذلك لإخلاء الجزيرة لصالح السادة الجدد الذين يريدون بناء مشاريعهم ومنتجعاتهم على جثث عشرات الآلاف من البشر، تحت دعاوى كاذبة بالتعدي على أراضي الدولة وتنفيذ القانون.

خرج أهل الجزيرة عن بكرة أبيهم يدافعون عن بيوتهم ومنازلهم، ويدفعون مصير التشرد والنوم في العراء عن أبنائهم وأهلهم، فقامت قوات الخوف بإطلاق غارات من قنابل الغاز والخرطوش عليهم في مشهد أقرب لجيوش الاحتلال التي تغزو الآمنين لسلب حقوقهم وسرقة أقواتهم، ليُصاب الكثيرين ويُعتقل آخرين، ويقع أحدهم شهيد الدفاع عن أرضه وحقه، في مشهد وحشي كأنهم حشرات يتم ابادتهم، وتستمر المعارك ضد هؤلاء المواطنين حتى أثناء دفنهم لشهيدهم، ويتم القبض على بعض المشيعين والمصابين، ويتم حصارهم من قبل قوات شرطة المسطحات المائية ومنع دخول الأكل والأغراض المعيشية لساعات طويلة وقطع الكهرباء عنهم، في مشاهد غاية في الإجرام والخسة.

قبل تلك المداهمة كان لأهل الجزيرة سجالات مع الأنظمة المتعاقبة التي أرادت طردهم من بيوتهم لبيعها للمحاسيب والمعارف في الداخل والخارج دون أي تفكير في مصيرهم ودون توفير أي بديل ينقذهم من التشرد، ورغم امتلاكهم عقود ملكية يعود بعضها لعام 1905 أي قبل أكثر من 100 عام، وإيصالات للكهرباء والماء، ورغم حصولهم على حكم قضائي بأحقيتهم في منازلهم، إلا أن كل هذا لم يكن كافياً لوقف رغبة عبد الفتاح السيسي في إخلاء الأرض من دافعي الضرائب لتقديمها لدافعي الرز، وذلك عبر اللغة الوحيدة التي لا يعرف سواها مع الشعب وهي لغة الرصاص والغاز والدبابات.

وتحت شعارات كاذبة وتدليس علني خرج ببغاوات المخابرات وألسنة النظام للتحريض على الأهل وتشويههم تحت دعاوى "الحفاظ على أراضي الدولة" و"تنفيذ القانون" و"الحفاظ على هيبة الدولة"، متناسين أن تلك الدولة أو شبه الدولة التي يتحدثون عنها ما هي إلا مجموعة المواطنين الذين يعيشون فيها والذين هم سادتها الحقيقيين وملاكها، وأن أرض الدولة بأكملها هي أرضهم وحقهم، وأن تلك المؤسسات التي تقتلهم وتروعهم وتدفعهم لمصير مجهول خُلقت لحمايتهم وخدمتهم والعمل على راحتهم وأن أي مؤسسة لا ترى في خدمة هؤلاء غاية وهدف هي مؤسسة فاسدة ويديرها مجرمون فرطوا في وظيفتهم ومهمتهم الوحيدة، وأن روحاً واحدة كالتي أزهقها هؤلاء القتلة السفلة هي أغلى من مناصبهم ومن مؤسساتهم ومن كل الشعارات الكاذبة التي يتغنون بها زورا.

هيبة الدولة الحقيقية تتحقق بخدمة مواطنيها وتوفير سبل الراحة والأمن لهم، لا بترويعهم وقتلهم وطردهم من منازلهم، فسادة هذا الوطن وملاكه هم هؤلاء المواطنين حاملي جنسيته ودافعي ضرائبه الذين تغتصبون حقوقهم كقطاع الطرق وعصابات المافيا.

ومن الغريب حقاً أن يتحدث هؤلاء عن "أراضي الدولة" وهم الذين باعوا وفرطوا في جزيرتي تيران وصنافير بل وحاربوا من دافع عنها ووقفوا بكل خسة يتهمونهم بالخيانة وقاموا بسجنهم وتعذيبهم والتنكيل بهم، وهم من يوزعون الأراضي والمحميات على المعارف والاصحاب في الداخل والخارج، ويتم اقتطاع مئات الآلاف من الأفدنة لمؤسسات لا تُحاسب ولا يعرف أحد عن أرباحها شيء وكأنها إقطاعيات وممتلكات خاصة لأصحاب الرتب الذين يديرونها.

كما أن حديث هؤلاء عن تنفيذ القانون لأمر غاية في المسخرة. هؤلاء الذين يقتلون ويعتقلون ويعذبون ويخفون آلاف البشر دون أي سند قانوني في مقابل حماية اللصوص والمجرمين أمثال حبيب العادلي الحرامي بحكم محكمة والذي يمتنعون عن تنفيذ الحكم ضده منذ شهور، وعن أي هيبة للدولة يتكلم هؤلاء بعد أن جعلها السيسي تابعة لمن يدفع وتأتمر بأمر من يملك الدولارات، وبعد أن وقف أمام العالم بكل ذل وانسحاق ينادي على دونالد ترمب ويطلب منه العون والمساعدة والرعاية في مشهد مؤسف ومخجل لكل ذا حياء أو شرف، أي هيبة تلك بعد أن صارت أراضي الدولة مرتعاً لقوات الصهاينة يعيثون فيها كيفما أرادوا ويقوموا بعمليات عسكرية دون أي رد أو غضب أو خجل وكأن هذه الدولة يحكمها مبعوث تل أبيب؟!

إن هيبة الدولة الحقيقية تتحقق بخدمة مواطنيها وتوفير سبل الراحة والأمن لهم، لا بترويعهم وقتلهم وطردهم من منازلهم، فسادة هذا الوطن وملاكه هم هؤلاء المواطنين حاملي جنسيته ودافعي ضرائبه الذين تغتصبون حقوقهم كقطاع الطرق وعصابات المافيا، ولو أن هذا النظام يحمل من الوطنية أو الشرف مثقال ذرة لوفر المليارات التي يُلقي بها في فنكوش العاصمة الإدارية لتطوير تلك الجزيرة وتحسين معيشة أهلها بدلاً من طردهم وقتلهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة