نعم.. عرفت ربي عند خلع الحجاب!

لا أتمنى من أحدٍ أن يغضب من كلامي لكن أشياء تجولُ في خاطري تدفعني الى القول أن البعضَ هنا -وأقصد وسائل التواصل الاجتماعي- يبادر إلى الحديث بطريقةٍ فجة وغير معقولة، وبأسلوبٍ مقزّز وبدائي جداً، لن أبالغ إن قلتُ إنه مثير للغثيان، فاحترموا القراء قليلا يا أصدقاء. إن رقّة الحرف لا تعني سيولة بلهاء تبعدنا عن المنطق، فهذه تعبيرات تطفو على ضعفٍ رطب جدا حدَ التعفّن لا يليقُ أبدا بالأسوياء، وليست عاطفةً مثيرةً للإعجاب! ولا أحب لأحد، أن يظهر ضارعاً لغير الله. وشكرُ الآخرين لا يستلزمُ الجثّو على الركب هكذا، في حالةٍ أقرب ما تكون إلى التسوّل البالغ البؤس.. وصديقُكم من صَدَقكم لا من صدّقكم..

جديرٌ بالذكر أن للكل حقَ النشر، ولكن عليه أن لا يتبرّم بآراء القراء فيما نشرَهُ، وأعتذر للأخوة إن كان في الحديث قسوةً لكني لا أحب أن أرى من يأتيني بالحجة دون حتى أن يقف ويفكر فيها قليلاً..

 

"للغربة حساباتها التي يصعب التأقلم معها… ما على المهاجر إلا أن يختار بين التنازل عن بعض أفكاره وتوجهاته التي كانت تسير حياته حيث كان، أو أن يحتفظ بتلك الأفكار في حدود منزله فقط، ليتقبله المجتمع، يتعايش معه بسلام، وإلا أصبح منبوذاً من الجميع."

-علاء الجابر – هولندا لا تُمطر رطبا.

 

الزعم بأن الحجاب هو هوية المرأة المسلمة ليس دليلًا، ولا هو مما تُبنى عليه الأحكام، وهو ضربٌ من التفلسف الحالم، ويستطيع أي متفلسف مضاد أن يجادله بقوله

الحقيقة أن شيء محزن يحدث ببطء داخل مجتمعاتنا والمؤلم أن ترى بعينيَ فتاة في عمركَ حزناً وهي تتحدثُ عن كرهها لله ولعرفُ دين لم تقرأ عنه يوماً بل تربت عليه وسمعته من خلال قنوات مدججة بمشايخ وإخوان وسلفيين خطابهم أشبه بمن ينادون بالسوق والمحلات، والجمهور غالباً ما ينحصر في عائلات منتمية لهذه التوجهات أو على أطرافها؛ هذا يغريهم ببضاعة جديدة والثاني يحصنهم من بضاعة فلان وعلاّن، وآخر ليبيع فكرته يعطيهم نصائح في الحياة والزواج لا يحتاجها أبداً انسان طبيعي، والآخير وهو الداهية يعرض عليهم ترتيباً لبضاعة ليضمن بها تأثرهم بطريقة محسوبة وليتجهوا له.

 

 

وعندما تقررُ الفتاة أن تعارض كل هذا وتمضي على خطاها تتعثر وتسقط وتنهض وتقرأ وتمشي على مبادئها الخاصة لتلتقي نفس الأشخاص بالصورة النمطية نفسها والتي يتمثلون لها بصورة لا واعية ليقصفوا جبهة المرأة بعرف ليس له من الدين في شيء وكلام عشوائي وتخبطات في العلم والفقه دون دراية ولا معرفة فتبدأ بالمفردات التي لا تنتهي حجابك عفتك، رأس مالك غطاء رأسك.. خلعت الحجاب أنت كافرة، خرجت عن دين العرف، الحجاب هو هويتك.. لا تجادل امرأة فإن غلبتكَ اِحتقرتكَ وإن غلبتها كرهتكَ، غطي شعرك يا امرأة بعدها اسألي سؤالك؟

 

كل هذا يجعل المرأة "كالسوبر وُومن" تختفي فجأة عن الأنظار إذ لا تحبذ الدخول في النقاش خاصة أن المسألة أصبحت من المسلمات، فمجرد المناقشة فيها مضيعة للوقت والجهد وقبيح بمن سلّم نفسه لرأي الناس أن يأتي ليجادل فيما ليس له أي خلفية علمية كانت أم دينية.

 

ثم الزعم بأن الحجاب هو هوية المرأة المسلمة ليس دليلًا، ولا هو مما تُبنى عليه الأحكام، وهو ضربٌ من التفلسف الحالم، ويستطيع أي متفلسف مضاد أن يجادله بقوله. ولِمَ لا يُقال إن الهوية لا علاقة لها بالحجاب والوجه وملامحه، فهل محروق الوجه بلا هوية مثلا؟! وعلى افتراض صحة ربط الهوية بالوجه؛ فهل دميم الوجه دميم الهوية؟! وهل كلما زاد الإسفار تجلّت الهوية أكثر؟!

 

أظن أن هوية الإنسان مقولة لا يمكن اختصارها في الوجه، بل أراه ادعاءً افتراضيا محضا، والحقائقُ لا تُقرّر بمثل هذه الإنشاءات الشعرية الفارغة وأشير إلى مسألة لعلها مفيدة دون التعمق فيها وهو رأي مؤمنة به ولدي من الحجة ما يشفع لي، وهي أن القرآن جاء بلفظٍ محتمل عندما أمر المؤمنات بضرب الجلباب على الجيوب، ولذا تساءل العلماء: هل يدخل الحجاب في ذلك أم لا؟

 

لقد تقرّر في القواعد القانونية، وهي قاعدةٌ منطقية أصولية أيضا، أن النص متى ما احتمل أكثر من معنى، وجبَ الرجوع إلى مرجّحٍ من خارجه، شريطةَ أن يكون من نفس المرجعية التشريعية، بمعنى من نفس المصدر التشريعي والذي قد يكون مشكوك فيه لأن الاجتهاد كما هو معروف يتغير من جيل لآخر، ومن المعلوم أن السنة ربّانيةُ المصدر تماما كالقرآن، لاسيّما ما له تعلّقٌ بالأحكام، فرجع الفقهاء لنصوصٍ من السنة الشريفة، وكذلك آثار وأشددّ على كلمة آثار رُويت عن القرون المفضّلة أي ليست من السنة في شيء، فوجدوها دالةً على -وجوب- ستر الوجه، ففسّروا بمقتضاها تلك الآية الكريمة، معضّدين ما ذهبوا إليه بفهم السلف.

 

المقطوع به أنه لا يُعذّبٌ أحد في الآخرة إلا بعد أن تقوم عليه الحجّة في الدنيا، وهذا يعني أن الحكم عليه بالكفر لا يستلزم كونه من أهل الجحيم في الآخرة، ما الله -جلَّ جلاله- بظلّامٍ للعبيد

الجدال لا يفيد إلا لمن هو ملم بالمسألة محلّ النقاش، وسأجد الكثير الحريص على تصغير المرأة هنا أن يحتقرني لنقص عقل أو لأني فقط امرأة، لكني أقول دائماً أن المرأة في مجال تداول الآراء كالرجل، فهو إن احتقر من غلبهم بالحجة؛ كان هذا نقصاً فيه، كما أنه إن حقد على من ظهروا عليه بالحجة؛ فهو نقص فيه أيضا، وهذا ينطبق على المرأة وعلى الرجل سواء.

 

المقطوع به أنه لا يُعذّبٌ أحد في الآخرة إلا بعد أن تقوم عليه الحجّة في الدنيا، وهذا يعني أن الحكم عليه بالكفر لا يستلزم كونه من أهل الجحيم في الآخرة، ما الله -جلَّ جلاله- بظلّامٍ للعبيد.. لعلي أفصّل هذه الجزئية لاحقا..

لكن لاحظوا أن الأديان، كلها، حتى الضاربة في أعماق التاريخ، تؤكد على الجانب الأخلاقي في الإنسان، وهذا يعني أن الأخلاق جزءٌ من كينونة هذا المخلوق الإلهي العجيب، وأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- أتوا ليحفظوا هذا المخلوق من التفكك والانسحاق أمام منطق المادّة. أي يحفظوا عليه كينونته التي فطره الله عليها، وأظهر ما يتجلّى هذا الانسحاق والتفكك الآن، في العصور المتأخرة..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة