مَنْ يهرب مِن الموتِ لا تُوهب له الحياة

لا تكتمل البداية إلا بنهايتها، ولا تكون النهاية حتى تتولد منها بداية.. كذلك هي السنن التي فطر الله الكون عليها؛ لذا سأبتدئ من حيثُ ما انتهيت إليه آنفًا، ستكون البداية هذه المرة هي نهاية سابقتها، نستكمل بها ما قد ذكرته – في المقالة الأولى – عن معادلة "الحياة والموت" في حياة أمة الإسلام وعن المعادلة التي بدونها لا تمكين ولا نصر قادم، فتلك المعادلة تفصل بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين أهل اليقظة وأهل الغفلة، كما تفصل بين أسنة النور وأمواج الظلام. تلك التي استعصى عليّ فهمها وتفهمها حين كنت على مشارفها أخوض وألعب. ولكن أولًا سأوضح أسباب انحراف المجتمع خاصة عن مسار الأمة عامة.

 

بعض الناس يرون أن الحياة هي الأمل المتدفق وأن وجودنا في الحياة هو البارقة المشتعلة، يظنون أن حبهم للحياة هو الذي يفرغ عليهم نسمات الأمل فتَدب في أواصر روحهم لتزداد اشتعالًا على خمودها! لمجابهة كل ما قد يقال عنه أنه "فراغٌ لاهٍ" متمثل في "ماديات وأشغالٍ شاقة تجعل الفرد منا كـترس بداخل ميكنةٍ صدئة" يبتغون منها الوصل إلى أموالاٍ وكنوزٍ وأباريقَ من ذهبٍ وبيوتٍ من فضةٍ، وتلك حياة يتماجَنون بها!

 

أما الموت عندهم فهو السالب الآخذ كل ما جمعوا في سنوات أعمارهم والذي يتمثل فيه الخوف والرهبة، فإن ذكر في حديث أحدهم كان أول ذكره "بَعُدَ الشر" وهو الأمر الذي يفرون منه إلا أنه ملاقيهم أنَّى فرُّوا، ولو أنهم لحقوا الموت إن هرب لكان الموت منهم في تعب. الموت عندهم هو الشّر المحتم الذي سيلقونه عاجلًا أم آجلًا، وقد ودّوا لو أنه لم يكن مطلقًا، ولكن قُضي الأمر.

 

التشوه الفكري و العقائدي

"التدجين" قد أصبح مؤخرًا دينًا ومسلك وعقيدة وهو شيء لو تعلمون عظيم، وأكثر شرًّا من هذه العادات الموروثة هي تلك الأفكار الدخيلة علينا من المجتمعات العلمانية 

تشوهت الأجيال بعد الأجيال لموروثَاتِها عن الآباءِ والأجداد الذين كانت لهم أول لَبِنة في بناء صرح العادات والتقاليد الذي نعاني منه اليوم وانصهَارِه في الأنفس حتى أصبح دينًا آخر لا يخرج المرء عنه إلا كان منبوذًا مهجورًا. فكثيرة هي الأفكار المتعفنة التي تكونت عند الأمة الإسلامية ونراها في مجتمعاتنا لا علاقة لها بالدين الإسلامي ويعاني منها المجتمع رجاله ونساؤه إلا أن كبارنا أصبحوا يألفونها، ولا نزال نحن صغارهم شبابًا وإناثًا نسعى لليوم الذي نحرر فيه مجتمعاتنا من ضلالتهم التي هم عليها؛ فقد تحولنا مِن مرحلة إخراج الناس من عبادة العباد إلى مرحلة إخراج الناس من عبادة الهرطقة والتدجين هذا صحيح.

 

"التدجين" قد أصبح مؤخرًا دينًا ومسلك وعقيدة وهو شيء لو تعلمون عظيم، وأكثر شرًّا من هذه العادات الموروثة هي تلك الأفكار الدخيلة علينا من المجتمعات العلمانية التي أدت مؤخرًا لظهور النظرة المادية في حياة الأمة الإسلامية؛ مما أدّى بالكثير للانجراف إلى الخوف من الموت ولا أرى لها تفسيرًا إلا ما قاله لي صديق: "إنه كلما زادت متعلقاتك الدنيوية زاد ارتباطك بها فأخلدتَ إلى الأرض، وكلما اندثرتْ ارتفعت روحك وسمت همتك".

 

ومن آثار الأفكار العلمانية أيضًا ظهور جماعات الإلحاد والتحرر وما يحذو حذوهما بشكل مستشرٍ ومُقلِق!، ولم تصب فقط المنقادين الجهلاء الذين يَجهلون من أمرِ دينهم ما يمنعهم من الانزلاق إلى هذه الهوة، بل إن الأمر قد وصل إلى داخل مجتمعات الإسلاميين في صميمها.

 

فإن أصل المعادلة الحياتية التي يفترض أن يحياها الإنسان تخفى عن كثيرين ممن انزلقوا في مستنقع الفكر الرديء. وذلك من بعد فاجعة سقوط الخلافة الإسلامية، إلا أن محاولات الحركة الإسلامية في شتى بقاع الأرض من إحياء أمر الدين ومناهجه في نفوس المسلمين مرة أخرى كانت لها ثمارها التي نضجت ولكن بها دخن مما اختلط من موروثات الآباء والأجداد وما انجرف كثيرون إليه من أفكار عَفِنة تخالف ما يهدينا إليه ديننا من أمر الموت وحبه الذي تحول في النفوس كرها جعلهم يفرون منه فرارهم من المجذوم.

أصل المعادلة
يظل عقد الإيمان متماسكًا لا ينفرط حتى يفرط صاحب العقد في عقده فتسمعُ دوي السقوط لحبات الإيمان متتاليًا ذا صدى. كذلك هو إيماننا كما العقد الفريد ما إن نُفرط في عقدة واحدة حتى نرى تتابع انحرافنا عن الصراط المستقيم جليًّا فكان الصحابة الكرام أول من أدركوا تلك الثغرة التي أخرجت لنا التشوه الذي نراه اليوم في عقيدتنا وأفكارنا. فأثناء لحظة ما عندما أعدت قراءة رسالة خالد بن الوليد لملكِ الفرس كاتبا في جزءٍ منها (.. وإلاّ والله الذي لا إله إلا هو لأسيرنّ إليكم بقوم يحبّون الموت كما تحبّون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدُّنيا) ذهلت من الإدراك التام للمعادلة الحياتية!

 

ولكن بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام تلاشت عنَّا تلك المعادلة، بل إننا نتحاشى فهمها أو الوصول إليها. أصل المعادلة هنا هو ما يجب أن نحب وما يجب أن نكره، فالأصل هو حب الموت وكراهية الدنيا. فقهنا لها يقودنا إلى سبيل ربنا الذي لا عوج فيه ولا انفلات. وقد كان حديث الرسول الكريم تأكيدًا على أن مصاب أمُتنا لن يكون إلا من تلك الثغرة.

حب الموت لا ينفي السعي الدؤوب والعمل المستمر في حياة أمة الإسلام وتجديد الحركة الإسلامية، بل إنه هو "الموتور" المحرك الذي يعمل على استكمال ما ابتدأه الخلفاء

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فقالل قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟! قال: بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهَن؟ قال: حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ». أخرجه أبو داود وأحمد بسندٍ جيد

الخاتمة
ليس الموت هو الهدف في ذاته وإنما ما قبل الموت وما بعده هو الذي يعنينا. في خاتمة حديثي تحضرني مقولة لشابٍ قضى عمره لله وحياته كانت جهادًا وموته كان فيه إحياء لمن مات قلبه نحسبه كذلك ولا نُزكية على الله، كان يقول: "إذا لم تكن حياتنا مغامرة ومخاطرة، ومطاردة وتضحية، في سبيل الله فإنها حياة بائسة، أو ربما .. حياة ميتة." كان هو أحمد شقير عليه رحمات الله تترا. 

كما أن حب الموت لا ينفي السعي الدؤوب والعمل المستمر في حياة أمة الإسلام وتجديد الحركة الإسلامية، بل إنه هو "الموتور" المحرك الذي يعمل على استكمال ما ابتدأه الخلفاء، ويذكر أن أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" كان يضع في إصبعه خاتم مكتوب عليه: "كفى بالموت واعظًا يا عمر". 

كذلك إننا لا ندخل حربًا لنيل الشهادة والذهاب للجنة، بل ندخل الحرب لإعلاء كلمة الله وتشييد صرح الخلافة التي اختص الله بها بني آدم، ما دام ابن آدم على منهاج الله ورسله. فإن حدث الاستشهاد وجبت الجنّة، لكنّ الحرب تكون من أجل الحياة – كما يريدها الله – بالتأكيد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

دعا الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح لما سماها مصالحة وطنية شاملة لا تستثني أحدا من أجل الوطن وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مشددا على أنه لا يطمح للعودة للسلطة.

الأكثر قراءة