من يكره أردوغان؟ (1)

من بين مواقف كثيرة أدهشتني في الحياة السياسية العربية موقف بعض العرب الكارهين لنظام أردوغان وتجربته الناجحة. فبحسب منطق العقل "البريء"، كان المتوقع أن يصبح أردوغان محبوب العرب الأول. لاعتبارات كثيرة بعضها ديني وبعضها سياسي وبعضها أخلاقي. فنحن أمام تجربة تنموية وسياسية ناجحة تنتمي حضاريا للتشكيل الحضاري الإسلامي، وتنتمي إنسانيا للتشكيل الديمقراطي، وتصب سياسياً وأخلاقيا وتنموياً – على المديين المتوسط والبعيد – في صالح الشعوب العربية المقموعة من قبل حكامها، والمنهوبة من قبل الوغد الأجنبي.

قد نتفهم موقف الكارهين لأردوغان وتجربته في ألمانيا وهولندا وإسرائيل وأمريكا، لأن صعود أردوغان وتجربته يثير مخاوف عديدة وصريحة لدى الغرب عموماً؛ بعضها حضاري وبعضها سياسي وبعضها اقتصادي. لكن أن يكرهه العربي – بكل ما تعنيه كلمة عربي اليوم من معاني الفشل والتخلف – فهذا ما لا يتفق مع أي منطق، سوى منطق العولمة الذي يمحو حدود الهويات غير الأمريكية. لكن الطريف أن غالبية من نعرفهم من خصوم أردوغان لا يؤمنون بثقافة العولمة أو لا يعرفونها! إذن ما السر وراء هذا الموقف العابر للمنطق يا ترى؟!.

الخطاب السياسي لأجهزة الدعاية في الدول التي يحكمها الاستبداد يلعب عادة في الفجوات التي يتركها غياب المشروع النظري المتماسك في عقل الضحية

بعد تأمل يسير في هذه الفئة العربية تبين لي أنها على صنفين. الصنف الأول يضم أولئك الذين يكرهون الديمقراطية وثقافتها، أو لا يحفلون بها. وهم خليط من أنصار الأنظمة العربية المستبدة، الذين قال فيهم أفلاطون: لو امطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يفتحون المظلات. ومن المتحيزين طائفيا، الذين استولت على أفئدتهم أوهام المشاريع السلالية والمذهبية. ومن ضحايا الخطاب اليساري في فترة الحرب الباردة، الذين لم يعد لديهم من مشروع سوى النكاية بالإسلاميين، بكل درجاتهم وثقافاتهم.

ويضم الصنف الثاني تلك الكتلة العربية الرخوة التي لا تملك مشروعاً للمستقبل. وأعتقد أن كل شخص لا يرى الديمقراطية مشروعاً للمستقبل هو شخص بلا مشروع. وأعني بالديمقراطية – دائماً – ذلك النظام الثقافي والسياسي الذي يجعل حقوق الإنسان الركن الأول من أركانه.

أما شريحة أنصار الديكتاتوريات فمن المنطقي أن يكرهوا تجربة أردوغان، لأن معاني الكرامة والحرية والنجاح التي يحملها خطاب الرجل وسلوكه السياسي تجرح شعورهم، كما يجرح الشرف مشاعر العاهرة؛ إذ ما الذي سيقولونه إذا دعوا إلى مقارنة، بين تجربة اللصوص الذين يخدمونهم ويعتاشون على فتات موائدهم، وبين تجربة أردوغان وحزبه؟! لا شك أنه أمر محرج. ومن المناسب لهم أن يبحثوا عن تبريرات ذات بعد قومي أو وطني تستر ما أمر الله بستره.

وأما ضحايا خطاب الحرب الباردة من اليساريين فلديهم دافع آخر لكراهية أردوغان هو أنه – بتجربته الناجحة – يمثل رمزاً مستفزا محرجاً لصالح خصومهم التقليديين، أعني الإسلاميين. وهم الذين حرصوا طوال الوقت على تأكيد مقولة إن الفكر الديني لا ينتج إلا فشلا. وقد ذكرت في المقال السابق كيف أن اليساريين العرب -أو جلهم- يجعلون الأولوية في معركتهم للعلمانية لا للحرية، لاعتقادهم – غير العلمي – بأن الدين هو مشكلة العرب لا الاستبداد. وهم مضطرون لهذا الاعتقاد غالباً لتبرير الاستبداد والقمع الذي مارسته جميع الحكومات اليسارية. وليست هناك حاجة لتفسير موقف المتحيزين طائفياً من نظام أردوغان السني، فتلك مسألة واضحة.

أخيرا تأتي تلك الشريحة العربية التي لا تملك مشروعاً للمستقبل، أو لا تملك مشروعا واضحاً للمستقبل. تلك التي يمكن وصفها بالسائمة السياسية. وفيها بعض من يرفض الواقع البائس على الطريقة الرومانسية لكنه لا يعرف أبعاد المشكلة ولا خطة الحل. وهذه الشريحة هي المجال المفضل لعمل الخطاب الدعائي المصنوع في أجهزة المخابرات. لأن الخطاب السياسي لأجهزة الدعاية في الدول التي يحكمها الاستبداد يلعب عادة في الفجوات التي يتركها غياب المشروع النظري المتماسك في عقل الضحية. وكل مشروع سياسي لا يؤمن بالديمقراطية هو مشروع غير متماسك بالضرورة. وبعبارة أخرى، كل مشروع سياسي لا يقوم على أساس الحقوق والحريات الإنسانية، هو مشروع غير متماسك وغير إنساني ومليء بالفجوات.

ذلك ما خلصت إليه بعد تأمل ظاهرة الكارهين العرب لتجربة رجب أردوغان وحزبه في تركيا. فماذا عن موقفنا نحن المعجبين بهذه التجربة والمؤيدين لها؟ ما دواعي هذا الإعجاب؟ وما موقفنا من الشبهات المثارة ضد هذه التجربة وزعيمها؟ هذا ما سنناقشه في الجزء الثاني من هذه التدوينة بإذن الله.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة