فَقالَ أنا ربُّكُم الأعلى

عندما نسترجع تاريخنا الذي شابهُ التزويرُ كثيراً، نجدُ إجماعاً واتفاقاً في طريقة السرد، فترى أسماء القادة والزعماء وأشخاص الحدث بشكل عام هي التي تتصدر المشهد، ومن النادر أن تقرأ اسم البلد الذي حدثت فيه تلك الوقائع، فمثلاً تقرأ عن عبد الناصر والسادات اكثر من مصر بحد ذاتها، بغض النظر عن مئة مليون شخص هم اليوم نصف العالم العربي، تقرأ عن صدام حسين أكثر مما تقرأ عن العراق.

وهكذا…حتى تنسى للحظة البلد موضوع الحديث، ومن هنا أنزعج كثيراً عندما يُنتقد عالمنا العربي لأنه لا ينتج ولا يصنع، فكيف غفل هؤلاء المنتقدون عن أعظم اختراع وإنجاز ابتكرناه وصدرناه لكل العالم حتى استطاع الجميع أن يمتطي كرامتنا، نحن بكل فخر يا سادة أول من صنع دولة الرجل الواحد، دولة القائد، الدولة التي تفتعل الأزمات الإقليمية والدولية حتى تشغل الرأي العام الوطني عن أي انتقاد للوضع الداخلي، وتصنع انتصارات بلاستيكة لا يراها إلا الذي يخاف أن يرى الحقيقة المرعبة ممثلة في دولة فارغة وفساد وجوع ودمار.

عندما نستعرض البلدان المؤثرة في المنطقة التي عانت من دولة الرجل الواحد بشكل مطلق، سوريا، مصر، العراق، ليبيا، اليمن فدلالة الأسماء تكفي لتشير إلى الواقع المرعب الذي تعيشه هذه الدول من أزمات دمرتها عن بكرة أبيها وأطاحت بها.

وإذا نظرنا إلى نفس التاريخ المزور، في فترات الصراع العربي الإسرائيلي، نذكر كيف كان القادة العرب ينتظرون القادم الجديد إلى البيتِ الأبيض حتى يحُل المشكلة، وكأنهَُم يعتَقِدُونَ أنًهُ ناجحًُ في الانتخابات ِبنسبةِ 99 % مثلهم، وربما نسوا أن الكونغرس هناك لم يأت بانتخابات مزورة، وبينما عاشت الدول العربية تحت مطرقة الأحكام العرفية بحجة الحرب مع إسرائيل، كانت إسرائيل نفسها تعيش انتخابات وتنافس ديمقراطي بين الأحزاب، والذي بدوره أدى إلى تماسك الدولة وزيادة صلابة مفهوم المواطنة لدى سكانها المهاجرين من كل أصقاع الأرض، وفي مقابلهم فسادٍ وفقرٍ وجوع، وأضف إليهم خساراتٍ شنيعة في المعارك والحروب وفقدان للأراضي.

فإذا وقفنا على معاهدة كامب ديفيد التي كرست السلام بين مصر وإسرائيل، نجد أن القصة بدأت في العلن عندما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات من تحت قبة البرلمان أنه مستعد لزيارة القدس لعقد السلام الأبدي مع إسرائيل، وفي نفس الليلة وجه محتلي القدس دعوة إليه، وتناولوا الغداء في القدس سوية في اليوم التالي، إذا وقفنا قليلاً هنا نجد أن الرئيس هنا أعلن هذه المبادرة بناءً على اجتهاده الشخصي وقناعته الخاصة من تحت قبة البرلمانّ البرلمان الذي يحوي ممثلي الشعب، لكن عقد معاهدة سلام مع من قتل أبناء هذا الشعب ليست من اختصاص البرلمان! في المقابل عندما كان الإسرائيليون يفاوضون وقتها كانوا يرفضون كل الشروط العربية بحجة عدم الرضا الشعبي عنها، وبقي السيد الرئيس يتنازل حتى أبرم المعاهدة بشروط إسرائيلية أمريكية، وربما سويدية وأسترالية، المهم أنها بعيدة كل البعد من أن تكون شروطا عربية أو حتى مصرية! ومن هنا لا نستطيع إلا أن نوجه تحية إلى الديمقراطية العربية!

الخطر الحقيقي لا يكمن في شكل هذه الدولة الذي دمر بقايا أي آمال في أي حياة كريمة على أرض الوطن العربي، بل يكمن في أننا إلى اليوم نجادل ونخوض ونلعب بل ونقاتل من أجل تمجيد رجالها، وإلصاق الصفات الإلهية بهم ليل نهار.

وعندما نستعرض البلدان المؤثرة في المنطقة التي عانت من دولة الرجل الواحد بشكل مطلق، سوريا، مصر، العراق، ليبيا، اليمن فدلالة الأسماء تكفي لتشير إلى الواقع المرعب الذي تعيشه هذه الدول من أزمات دمرتها عن بكرة أبيها وأطاحت بها، لاحظوا أن كل العالم يعرف أسماء رؤساء هذه الدول وأصولهم بل وحتى طباعهم، رغم كل الدمار والتخلف والفساد والجوع والمرض الذي ينخر في عظام هذه البلدان، وفي المقابل لم نتابع يوما أخبار رئيس السويد أو النرويج أو اليابان أو فنلندا، رغم أنها دول تقود التحضر والصناعة والاقتصاد والمبادئ السامية في العالم.

ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في شكل هذه الدولة الذي دمر بقايا أي آمال في أي حياة كريمة على أرض الوطن العربي، بل يكمن في أننا إلى اليوم نجادل ونخوض ونلعب بل ونقاتل من أجل تمجيد رجالها، وإلصاق الصفات الإلهية بهم ليل نهار، فلا يكفي أبداً الدمار الذي خلفته هذه الدول، لا بل صنعنا أصناماً لرجالها حتى نقدم قرابين الولاء والطاعة والندم! فكأنه يقول لنا قول فرعون لبني إسرائيل: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)، ويبدو أن ردنا كان هو السجود الفوري.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حذر رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري من "محاولات زرع فتن وتوتر" بين الجيش اللبناني واللاجئين السوريين، بعد أيام على إعلان الجيش وفاة أربعة موقوفين سوريين لديه بمنطقة عرسال.

دعت الخرطوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاتخاذ قرار شجاع برفع العقوبات التي تفرضها بلاده على السودان منذ عشرين عاما. وجاءت الدعوة قبل يوم من انتهاء فترة محددة لمراجعة العقوبات.

الأكثر قراءة