عبور العتبة الأولى

إنّ البدايات تكون صعبة ليس لأنّ التفاصيل حتماً ستكون الأسهل، إنّما عبور العتبة الأولى يحتاج للكثير من الجهد لأجل الاستمرار في أي طريقٍ يخطه الإنسان، ومن يفقد صبر البداية لن يجني متعة النهاية؛ وتتباين العتبات ما بين السياسة والاقتصاد وما بين الفرد والجماعات وما بين العلم والعمل، فلكل عتبة ثيابها الخاصة والفترات الزمنية المتفاوتة.

وتشترك العتبات جميعاً في حاجتها الماسة للصبر أو ما يعرف بأصحاب النفوس الطويلة، فكلما عَظُمَ هدفك تطلب الأمر وقتاً وصبراً أكبر، ونرى ذلك جلياً في القضايا والأزمات السياسية الكبرى التي تستغرق شهوراً وربما سنوات لأجل فقط عبور العتبة الأولى، وتختلف القضايا فيما بينها لأجل إنجاز ما بعد هذه العتبة، وما هو راسخٌ أنّ كل شيء يحتاج لوقتٍ من أجل أن يتحقق، ولا ضير مرور الزمن في ظل وجود العمل.

وإنْ تعلق الأمر بالاقتصاد فهو الأولى باستثمار كل لحظة من الوقت، ولكنّ بدايات المشاريع الاقتصادية هي الركيزة الأهم لاستمرارها ولتحقيق الجدوى من بقائها، فالعتبة الأولى في المجال الاقتصادي معروفة بفترة السماح أو وقوف المشروع على أقدامه، وتختلف أيضاً وفق الخبراء الاقتصاديين حسب حجمها ورأس مالها وأهدافها، لكنّها في النهاية عتبةٌ موجودة ينبغي عبورها.

يتشابه حال المغتربين الجدد في أهمية عبور العتبة الأولى لأجل استرجاع كياناتهم المفقودة داخل أروقة أوطانهم، والسير في طريقهم المحفوفة بالعتبات من أجل إنجاز ما يريدون تحقيقه

وبدايات القضايا الفردية لا تختلف كثيراً عن القضايا السياسية والاقتصادية، وإنْ كانت نموذجاً مُصغراً لما سبق ذكره، فالطالب في جامعته يحتاج عبور العتبة الأولى بعدما يتعرف على البيئة الدراسية الجديدة المختلفة بشكلٍ كلي عن مراحل المدرسة، وكذلك الحاصل على وظيفةٍ جديدة يلزمه تخطي العتبة الأولى لإثبات أحقيته وجدارته بالفرصة الوظيفية وهو ما يعرف لدى معظم المؤسسات بعام التجربة.

ويتشابه حال المغتربين الجدد في أهمية عبور العتبة الأولى لأجل استرجاع كياناتهم المفقودة داخل أروقة أوطانهم، والسير في طريقهم المحفوفة بالعتبات من أجل إنجاز ما يريدون تحقيقه جراء الغربة الاجبارية أو الاختيارية، فمن لم يستطع عبور هذه العتبة لا يمكنه اكمال الطريق، وغالباً ما يكون العبور لازماً لأنّ هذا الطريق يسير في اتجاهٍ بلا رجعة، فالمطلوب هو النجاح وليس غير النجاح، فالأمثلة الفردية لا تنتهي في مفهوم هذا العبور، فلو جلسنا مع أنفسنا نرى أنه فيما مضى صادفتنا الكثير من القضايا الشخصية التي تطلبت جهوداً كبيراً في البدايات وبعد عبور العتبة الأولى أصبح الحال أفضل والنتائج أقرب بمزيدٍ من الإصرار.

والحال نفسه مع الجماعات التي يلزمها العمل كثيراً أمام هذه العتبة في مرحلة تعرف بالتأسيس لأجل تحقيق نهضة حقيقة في انطلاقتها، أو على الأقل أن تكون إضافة نوعية بين أقرانها من الجماعات الأخرى، وأقصد بالجماعات كل عمل جماعي بما فيه الأنظمة الجديدة لأي دولة في العالم، ويقترب الأمر كثيراً في أي نظام حكم جديد يرغب في البقاء لمدة أطول على سدة الحكم، فالاستحقاقات المطلوبة منه في البدايات هي بأهمية فائقة لكي يستطيع المحافظة على نفسه من التيارات المعارضة.

وفيما مضى استعراض لأهمية عبور العتبة الأولى على عدة مستوياتٍ ونماذج وأمثلة، بومضاتٍ قصيرة أطلقتها لتعبر عمّا يجول في خاطري، لنضمن لأنفسنا المضي قدماً بالنجاحات في عالمٍ مليء بالأزمات والعتبات والمخاطر، فالصمود أمام العتبة الأولى وعبورها يجعلنا مؤهلين لمواصلة عبور العتبات الأخرى، ثم إنّ الطريق ليس بالسهل ولا يعرف تفاصيله إلا سالكه، فلا تستمع لمن هم خارج الطريق لكيلا تُضيّع جهدك من أجل تخطي العتبة وما بعدها، فالطريق ما زال طويلاً ويحتاج لذرة كل جهد والسلام أفضلُ ختام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة