سر الانجذاب في قانون الحُبْ

هل سبق وأن خَطرَ على ذهنك كيف يحدث الانجذاب نحو شخص ما دوناً عن سائر الأشخاص، مع أنَّه على الأغلب يكون في الأصل ذلك الشخص يوجد مثله ممن يمتلكون الشخصية ذاتها، والجوهر ذاته، وكافة الصفات ذاتها، بصورة مُطابقة للأصل، وبنفس الكيفية، والدرجة ذاتها! لماذا قد يحدث تآلُف وقبول نحو هذا، أما هذا الآخر فلا يحدث نحوه سوى نفور! مع أنَّهم في الأصل يمتلكون المفتاح ذاته لبابِ قلبِك! المفتاح ذاته الذي صُنع من رغباتك وكافة متطلباتك الخاصة!

التقسيم الكلاسيكي لظاهرة الانجذاب المشاعري:
قبل التطرق في التبسيط، ينبغي أولاً إدراك أن تراود شعورٌ بالانجذاب نحو شخص ما ينقسم إلى صنفان:

الصنف الأول: انجذاب في محله. وهذا يحدث بعدَ دراسةٍ عميقة لأبعاد ذلك الذي وقع عليه الانجذاب، وعادةً ما يُصاحب ذاك النوع من الانجذاب نضج مشاعري في تقدير تلك المسألة.

كمثال على ذلك يظهر جلياً فيمن يُفضِّل أولاً ألا يُفصح عن مكنونات صدره، ويتحلَّى بالرزانة، من قبل أن يتأكد أن ذاك الانجذاب واقعٌ في محله أم لا، وحينها لا يُخرج كلمة الفَصلِ قبل أن يزيح الستار عن كل تفصيلة كبيرة كانت أو صغيرة نحو من وقع عليه الانجذاب.

الصِنف الثاني: انجذاب ليس في محله. وهذا النوع من الانجذاب، فضلاً عن كون صاحبه في مرات عديدة يتسم بالعشوائية المُفرطة إلا وإنه يُعتبر أمراً مشروعاً.

الحب في مجمله يكمن في بساطتهِ، وعليها فإن حدوث انجذاب نحو شخص ما بعينهِ دوناً عن الباقين يرجع إلى أن من يُحبُّ صِدقاً يرى فيمن يُحبُّه أموره البسيطة المُحببة لديه

وكمثال على ذلك، لنتخيل أنك تسير في مكان عام وصادفَ وأن وقعت عيناك على أحد المارة حتَّى تصلَّبت عيناكَ في موضعها نحو شخص ما، هل يكون الانجذاب الواقع هُنا مبني على أسباب ودراية عميقة بأحوال ذاك الشخص أم أنَّه فقط مجرد انجذاب ضحل لا يعكس شيئاً سوى أنك رأيت هذا الشخص من باب المُصادفة! والذي هو على الأرجح يُعدُّ أمراً جماله يكمن في غموضه المُبهر هذا!

ما بعدَ الانجذاب أيكونُ حُباً؟
بطبيعة الحال هو أمر معقد ليكون من الرد حظ على ذلك التساؤل لإن كل قصة لها وقائعها، وحيثياتها، وظروفها الخاصة بها في كيانها الخاص، ولكن الغالب في تلك الإشكالية أن ما بعدَ فترة الانجذاب بصِنفيه الإثنين يصير حباً، ولكن ارتباط بقاءه حياً مرهون بمُتعلِّقات كثيرة، برز منها:

أولاً: بالنسبة لمن كان انجذابه في محله
أولاً: يتوجب فيمن وقع عليه اختيار ذلك الصنف أن يضع قبلاً في الحُسبان وجود احتمالية يُدرك فيها أنَّه مهما جمَع ودرسَ وبحثَ لكي يكون مُلمَّاً بكافة جوانب حياة من وقع عليه الانجذاب فلن يحدث ذلك لأنه في الأخير مهما فعلَ لن يمتلك الصورة كاملةً.

ثانياً: يتوجب أن يكونَ مَرِناً ومُتصالحاً مع نفسه حالَ ظهور ما لم يتوافق مع تطلعاته، لإن الإحساس بشعور السخط بعد الرضا الكامل يُنذر بكوارث كان شرها مستطيراً ويخلق فيما بعد تأثير ارتدادي لا يختلف إطلاقاً عن تأثير نقطة السُم في مجرى الدم!

 ثانياً: بالنسبة لمن كان انجذابه في غير محله
ليس لأنه مبني على عشوائية فهذا يُنذر بالفشل، فكم كان وَقع صُدفةٍ على القلب يحملُ في طياته خيراً كثيراً! ولكن…

أولاً: يتوجب على من سلكَ السبيل هذا أن يُلازم الحرص الكامل في تحرِّيه حياة من وقع عليه الانجذاب لكي لا ينساق خلف المظاهر المخادعة ويقع ضحيةً للانبهار والانجذاب الزائف الذي لا يكفُّ عن بَسْطِ يديه في القلوب ليعبث بها كيف يشاء.

ثانياً: أن يكونَ على يقين دامغ بإنَّ ذاك الانجذاب مبني على حُب، وليس مُجرد إعجاب قد يزول إن عصفت رياح التغيير، وهطل على إثرها مطر القسوة حتى إذا تسرَّب إلى القلب صار كالصَخرة أو أشد قسوة!

ثالثاً: التأكد أن ذاك الانجذاب ليس من طرف واحد! تعلم كم هو مقيت ذاك الشعور حين تُدرك أنَّك مكروهٌ من شخص تنظر إليه بعين المحبة، حتى وإن اتفق العالم حينها وبأسره على مُلاطفتكَ وإلقاء بوادر المحبة والاستحسان في صدورهم تجاهك، في الأخير يبقى ذاك الشخص استثناءاً لا يُقبل المُساومة أو التفكير حتى بالتفريط فيه!

وتلك الإشكالية كثيراً ما تمر على صنفي الانجذاب وهو شعور الخوف من انسحاب الطرف الآخر، ولكن تم الحرص على وضعها في الصِنف الثاني؛ لأنها واردة الحدوث عن الصِنف الأول؛ ولأنه في الأخير التلميحات المُصاحبة للِصنف الأول سواء كانت تظهر في شغفٍ مُتبادل، اهتمام مشترك، يتبعها فرحة عارمة، ويختتمها شعور بالارتياح، كلها أمور تحمل أبعاداً قد يستدل منها هل الانجذاب من طرف واحد أم لا، وهو ما لا يتم توافره في الصِنف الثاني.

إن تنافرت الأرواح ولم تقدر على مداواة الجِراح، وصار حضورهُا ومقام طالِعها كالأشباح، وقتها يعمُّ السواد وتنفصل الأرواح كأنهَّا في حِداد، لتتبدَّل الأفراح على الأرض إن وجِدَت بالأتراح

لن ترى بقلبك حين تعميكَ التفاصيل الكثيرة
الحبُّ الصادق لا يمكن أن يطرق باب قلبٍ يلهث وراء التفاصيل الكثيرة؛ لأن الحب في مجمله يكمن في بساطتهِ، وعليها فإن حدوث انجذاب نحو شخص ما بعينهِ دوناً عن الباقين يرجع إلى أن من يُحبُّ صِدقاً يرى فيمن يُحبُّه أموره البسيطة المُحببة لديه، فإذا حدث ارتباط وثيق ينغلق باب المقارنات هُنا، ويرى القلب وقتها أن ما في المحبوب من صفات لا يمكن أن تكون في بشرٍ بعده! وبالتالي حتى وإن وُجدَ فيما بعد ممن يُشبه المحبوب إجمالاً وتفصيلاً فإن ذلك لن يُغيِّر من الأمر شيئاً؛ لإن القلب قد أبصَر حُباً، واكتفى به بَعداً، حتَّى صار بُعدَاً إذا تبدَّل بَعده.

سر الانجذاب في قانون الحب

ما سلف ذكره في الفِقرة السابقة يُباشر في الحدوث فقط حين يقرر المُحب أن يجعل للمحبوب سلطاناً على قلبه، فوقتها فقط، يُغلِّق قلبـــــَهُ من الخارج عن الأنامِ أجمعين، فلا يحدث وأن ينجذبَ لشخص آخر قط.

ولكن كيف في البداية للقلب أن يقول هذا هو المُختار، مع أنه قد يكون تم توافُر نفس صفات هذا المُختار قبلاً في شخص آخر، وتم قبول هذا الشخص بالرفض!

إنها الروحُ مُتسَيِّدة ذاك الجسد، وصاحبة الوِصاية عليه منذ قديمِ العهد. إليها تخضع قوانين الحب الظاهرة في رداء الانجذاب والجمال المُكمَّل، فهي من تنزع السِتار الفاضح عن الحُب المُصتنع، المغلوط في تصنُّعهِ، والباهِت في ذاته. ووقتها يحدث تنافر بين الروحِ والروح فلا يصير حُباً. 

وأما إن حدث تآلف بين الروحِ والروحِ صار حينها حُبَّاً ملائكياً، سَامِياً في عليائه، باهِراً في ذاته، يُمضَى به مُحلقاً إلى أعالي السحاب، وعنان السماء، فيشهد عليها طير السماء، حيث يُحلِّق ويطوف…

وحين نصل لذاكَ الملكوت في الأعالي، حيث تتقابلُ الأرواح، بينما الأجسادُ على الأرض تُداوي آلام الجِراح، يحدث حينها إحدى الأمرين:

*  فإن تنافرت الأرواح ولم تقدر على مداواة الجِراح، وصار حضورهُا ومقام طالِعها كالأشباح، وقتها يعمُّ السواد وتنفصل الأرواح كأنهَّا في حِداد، لتتبدَّل الأفراح على الأرض إن وجِدَت بالأتراح.

* وأما إن تآلفت الأرواح ونجحت كلُ روحٍ في تقطيب آلام الجِراح، وقتها تندمج الأرواح لتُقام على إثرها الأفراح بحلول دمج الروحين في جسد واحدٍ كلما غدا أو راح، وهو ما يُقصد به أخيراً في "نعمة الارتياح" هل أدركتَ بعدُ يا صاح؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الازدراء المزمن لبعض دول الخليج بحرية التعبير أصبح جزءا من أزمة قطر الحالية والحصار الذي تفرضه السعودية والإمارات والبحرين ومصر عليها.

الأكثر قراءة