أن تكون مطاردا في الوطن

يمكن أن نقول أن كل ما زرعته فينا المدارس الحكومية منذ الصغر عن الوطن وحب الوطن، وما قدمته لنا الأوطان من مسكن ومأكل ومشرب، يمكن أن نقول أنه اصبح اثرا بعد عين، كلمات تراكم عليها تراب الزمان ومصائبه، ومصطلحات فُرغت من معانيها وحشاها الظالمون والمستبدون بالقهر والظلم والغربة عن الحياة والعالم.

حتى أن سؤال غسان كنفاني في روايته "عائد إلى حيفا" أتدرين ما الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث كل هذا! أصبح سؤالا مبتذلا من كثرة تكراره ومن كثرة ما يحدث في وطن لم يعد كذلك، وطن غير ملامحه الظلم والاستبداد، ظلم فاق كل الحدود، حتى أن أسرى الحرب لا يعاملون بمثل تلك الوحشية المفرطة.

كانت فترة دراستي في الجامعة من ٢٠١٠ وحتى ٢٠١٥ شاهدة على كل الأحداث السياسية الكبيرة في مصر، حضرت حراك الطلاب من بداية فترة صعود حركة ٦ إبريل وكفاية ونشاط طلبة الإخوان المسلمين، ثم ثورة يناير ثم مظاهرات الجامعة ضد إدارة الجامعة والعمداء التابعين للحزب الوطني، ثم انتخاب مرسي ثم الانقلاب على مرسي ثم الحراك الجامعي ثم الحراك الجامعي ضد الانقلاب، ثم سنوات سوداء من المطاردة وقصص المطاردين والمعتقلين.

حكايات عن التعذيب بالكهرباء، ودق المسامير والإخصاء والتعذيب.. غضب دفين في نفس كل من مر بشيء كهذا ,لن يخمد حتى تشتعل به كل بلاد القهر ويكوي لهيبه جلود المستبدين وأعوانهم.

جحيم المُطارد جحيم لا يعرفه إلا من ذاقه، أن تعيش كل لحظة مهدد، تخرج فلا تضمن العودة، لا تضمن ماذا سيحدث لك بعد لحظات، تتنقل بين البيوت بلا مأوى، تعيش كفافا، وتئن من قسوة الغربة، يأتي كل ليل بأشواقٍ وأشواكٍ، بحنين ولهيب مستعر، قلق يلازمك كل أوقاتك من الغد وبعد الغد، سؤال العمل يطاردك، وتطاردك همومك وقلقك على أهلك.

ذات ليلة هي ليلة امتحان أثناء اختبارات الجامعة النهائية، يدخل والدك عليك الغرفة مذعورا، ويقول أن الأمن على أول الشارع متجهين لبيتنا، تهم مذعورا لا تدري ماذا تأخذ وأين تذهب، تغادرا البيت وتستودع أهلك عند الله الذي لا تضيع ودائعه، يزيد على وجع الإصابة وهْم الاختبار هموم أخرى ثقيلة، تبات ليلتك عند أحدهم تطالع الكتب والملازم وعقلك في مكان آخر، تعود للبيت في اليوم التالي وتتكرر زيارة قوات الداخلية ويتكرر الفرار، تذهب فتبيت في بيت آخر مذعورا، تقرر الأسرة الانتقال، العزال من بيت لآخر، ويتكرر العزال، من بيت لبيت، وتتكرر زيارات الشرطة، ولا أحد يفهم ما السبب أو التهمة، وهذا جحيم آخر ففي مصر وعلى عكس ما تسير عليه الأمور في العالم إن الإنسان يرتكب جرم فيتم القبض عليه والحكم عليه بعقوبة معينة تسير الأمور في مصر على العكس يتم القبض عليك أولا لأسباب مجهولة أو لبيانات زائدة عند مخبري المنطقة أو لرغبة مخبر ما في علاوة أو ترقية، ثم يتم توجيه العقوبة لك فيما بعد، وتظل على الحبس الاحتياطي شهور وربما سنين ثم تبت المحكمة في أمرك!

في السنة التالية ومع كثرة المكوث والعيش مع المطاردين، ستعلم قصصا أخرى أسوأ بكثير من قصتك، قصة شخص رأى لحظة اعتقال أخوه من البيت ببلاغ من أهل زوجته ودموع أمه وعويلها وعجزه القاهر، قصة من تعرضوا للتعذيب واقتربوا من الموت، قصة شباب كل شخص فقد عزيز عليه أو قطعة من جسده، قصة من جعلته الإصابة عاجزا يمشي بعكازين أو من خرج من المعتقل بعد التعذيب يعاني من آلام في الجسد والروح.

خرجت الأم وابنتها من قسم الشرطة، وبقي الأب في غياهب أمن الدولة حتى خرج فيما بعد، هذه الليلة كانت من أحلك الليالي، وهي من أحلك الليالي على أي إنسان، حينما يشعر بقهر يفوق المدى وبمذلة وغضب وحزن ليس له وصف.

تسمع قصصا عن شاب مُطارد قبضت الداخلية على أمه وزوجته وهددوه باغتصابهما إن لم يسلم نفسه، قصص فتيات يبتن بملابسهن كاملة وحجابهن كامل استعدادا لأي اقتحام من الشرطة لبيتهم ليلا، قصص عن معتقلين بدون تهمة، ومطاردين لا يعلمون ماذا فعلوا إلا أنهم محسوبين على الأصوات المعارضة للانقلاب العسكري، قصص تعذيب تشمئز منها الابدان وتقشعر منها الجلود ويرتجف القلب رعبا وغضبا، قصص بنات يسيرن بالليل باحثات عن مأوى ينجيهم من الاعتقال وجحيمه.

وما أن استتب الأمر نسبيا حتى عادت الأسرة لبيتها القديم، ثم تكررت الزيارات، فيهرع الاب وابنه لمخبأ كأنها غارات الحرب العالمية الثانية، لكن هذه المرة لا تستهدف الطائرات إلا شخصين فقط في الحي، وعندما تكرر الأمر لا أعلم للمرة كم، كانوا يقصدون في هذه المرة العمارة التي بجانبنا يسألون عن شاب سافر لسوريا حتى كانت الفاجعة، ففي غياب الابن والاب، أصر الضابط والمخبرين هذه المرة أن يقبضوا على الأم والأخت، وباتت الأم والأخت في قسم الشرطة، وبات الأب فيما بعد في مقر أمن الدولة، وظل الابن هارب عاجز عجزا شاملا، مقهور قهرا مخذلا.

خرجت الأم وابنتها من قسم الشرطة، وبقي الأب في غياهب أمن الدولة حتى خرج فيما بعد، هذه الليلة كانت من أحلك الليالي، وهي من أحلك الليالي على أي إنسان، حينما يشعر بقهر يفوق المدى وبمذلة وغضب وحزن ليس له وصف، في تلك الليلة وما بعدها من ليالي يمكن أن تسترجع حكايات الثأر والانتقام، وحكايات التعذيب التي عرفتها من المطاردين الآخرين، حكايات عن التعذيب بالكهرباء، ودق المسامير بالظهر والإخصاء والتعذيب حتى الموت، عن حرمان الابن من أهله والزوج من زوجته والأب من أبنائه فاصبح الرجل ببلد وزوجته وأبنائه ببلد أخرى، غضب دفين في نفس كل من مر بشيء كهذا ,لن يخمد حتى تشتعل به كل بلاد القهر ويكوي لهيبه جلود المستبدين وأعوانهم.

فاللهم فك أسر المأسورين المعتقلين، وأرجع المغيبين المختطفين المختفين قسريا، ونجي المظلومين المحكوم عليهم بالسجن أو الإعدام ظلما وارحم الشهداء برحمتك يا أرحم الراحمين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة