أغرِّدُ أو لا أُغرّد؟.. حديث في الـ "تريند"

ليس على المرء سوق الكثير من الأدلّة لإثبات أنّ الـ "تريند" صار من أهمّ ظواهر الاجتماع الإلكترونيّ، أو ما يُمكن أن نسمّيَه سوسيولوجيا وسائل التّواصل. بطبيعة الحال، الاجتماع الإلكترونيّ جزء من الاجتماع البشريّ العام، ولم يعدْ ممكناً فصلُه عن الاجتماع غير الإلكترونيّ، وما التسميّة إلا بغرض التمييز، أمّا الظاهرة فقد أصبحت متداخلة مع جميع مظاهر الاجتماعات، من علاقات أسريّة بين الآباء والأبناء، والعلاقات العاطفيّة والزّواج، والعلاقات بين أبناء العائلة الممتدّة، والعلاقات بين التلميذ والمعلّم والطالب والشّيخ والمُعجَب والممثّل أو المغنّي، والجمهور والسياسيّ أو الصحفيّ أو المؤثّر في الرأي العام، وغيرِها.

الـ "تريند" تصنعُهُ ويصنعُك
يمكن أن ينشأ الـ "تريند" بلا تخطيط من أحد، فحدثٌ كبيرٌ سيصنعُ مداهُ الخاصّ على مستوى دولةٍ ما أو سياق ثقافيّ ما -العرب مثلا، أو أوروبّا- أو العالَم. لكن الـ "تريند" يُمكِنُ أن يُصنَع، من خلال شخصيّة مشهورة، أو مجموعة متناسقة من الأفراد تدفعُ باتّجاه قضيّة ما، وسنكون سُذَّجا لو ألغينا احتمالَ أن بعضَ الـ "تريندات" تصنعُها أجهزة معلومات واستخبارات متخصّصة ومُكرَّسة.
وحين يحصل الـ "تريند"، يستفزّك للتعليق أو المساهمة في قضيّتِه، فهو يصنعُك، بمعنى أنّه يفرضُ عليك قضيّة يجب أن تُبديَ موقِفا منها، وبالتّالي فالعلاقة متبادَلة وفي اتّجاهَين: كلُّ مساهَمة في صناعة الـ "تريند" هي تأثُّرٌ به.

الـ "تريند".. النهر صورةً مجازيّة
من الصّعب العثور على صورة مجازيّة تستوعبُ فكرة الـ "تريند" بكاملِها، لكن يُمكنُنا استعارةُ ملامحَ من النّهر. في الـ "تريند" شيءٌ من النّهر، فهو يجري ويتدفّقُ بطبيعتِه، وحين يجترحُ أحدُهُم قناة صغيرة أو ترعة منه، فهو من ناحية يأخذُ من النهر، لكنّه يُساعدُه على الوصول إلى أماكنَ جديدة. كلُّ مُساهَمة في الـ "تريند" هي من ناحية استفادةٌ منه بأن تكونَ في قلبِ الحدَث وتتجنَّبَ العزلة، وهي من ناحية أخرى تعزيز لانتشار الـ "تريند" وأثرِه ومداه. كلّما كان المشتبكُ مع الـ "تريند" أكثرَ حضورا، بحجم الجمهور غالبا، فهو سيتركُ أثرا أكبر على مسار الـ "تريند" من بعدِه. لكن، وكالنّهر الكبير الذي لا يحملُ بالضرورة ما هو نافع، فليس من مصلحة أحد أن يجُرَّ هذا المستودعَ غيرَ المتجانس من الأفكار والمشاعر وحتّى الشتائم إلى ناحيتِه، ولذا، كلّما كان ال"تريند" أكبر، زاد احتمالُ خروجِ الاشتباكِ معه عن السيطرة. من مصلحة المشتبكِ مع "التريند" أن يُحاول الاستفادة منه وتجنبَ أذاه، وهذا أمرٌ صعب في أكثرِ الأحيان.

الـ "تريند" الإلكترونيّ والـ "تريند" الاجتماعي: ضحايا اللحظة
قد يتحوّل الـ "تريند" الإلكترونيّ إلى تريند اجتماعيّ، بمعنى أنّ النقاش يتّسعُ إلى درجة تتجاوزُ حياة الـ "تريند" الإلكترونيّة. يمكنُنا أن نتوقَّعَ أنّ أكثر الناس يموتُ اهتمامُهم بالقضيّة بعد أن ييتلاشى الـ "تريند" الإلكترونيّ، لكنّ هناك من يتركُ "تريند" ما آثارَه عليهم اجتماعيّا بعد أن يتلاشى إلكترونيّا.

هذا قد يكونُ أمرا حسَنا، فهو قد يعني أنّ هؤلاء أخذوا الأمر على مجمل الجدّ، ولم يكن الـ "تريند" بالنسبة لهم مجرَّد هاجس عابر، لكنّ المشكلة أنّ حالة الـ "تريند" ليست حالة مُثلى للنّقاش، فهي حالة استقطابٍ سريع لا تلبثُ فيها خطوطُ الانقسام أن تتضّح، وبالتّالي فهؤلاء قد يحملونَ النقاس معهم إلى أفقٍ أوسع، لكن قد يظلُّ جَنين الفكرة حاملا لتشوّهات لحظة ميلادِه، لحظة الـ "تريند".

كلّ قضيّةٍ وجاهةٌ ما، ويمكنُ قولُ شيء معقول بخصوصِ أيّ شيء، وما من قضيّة إلا ولها مهتمّون وجمهور، وبالتّالي فبمجرّد أن تُصبحَ القضيّة "تريندا"، فهذا يمنحُها حصانة من مُساءلة الجدوى والقيمة.

الاشتباك مع الـ "تريند" يُقوّيه كمفهوم وأسلوب تداول
هناك مفارقةٌ سيقعُ فيها من يفكّر في مقاربة الـ "تريند". من جهة، قد يبدو الـ "تريند" فرصة ذهبيّة إثارة نقاشاتٍ ما كانت لتثورَ من دونِه، وبالتّالي فمن المُقنِعِ أنّ طَرْقَ القضيّة وهي حاميةٌ على نار الـ "تريند" أمرٌ حسن ومرغوب. لكنّ المشكلةَ أنّ الانخراطَ في الـ "تريند" ولو لغايات إيجابيّة سيعزّز من تناول القضايا وتداولِها بأسلوبِ الـ "تريند"، وبالتّالي فاستغلال الـ "تريند" مقامرة: هو فرصة سانحة لأخذ المجموع نحوَ قضيّة مهمّة، لكنّه يُساهمُ في تحويل المجموع إلى متتبّعي تريندات. ببساطة، ما نكسبُه من الـ "تريند" كقضايا، نخسرُه في الـ "تريند" كمنهجيّة تفكير.

من سيُسائلُ الـ "تريند"؟
لا أحد، فلا أحدٌ معنيٌّ بالتساؤل عمّا جعلَ هذه القضيّة في بؤرة الـ "تريند". بطبيعة الحال، فلكلّ قضيّةٍ وجاهةٌ ما، ويمكنُ قولُ شيء معقول بخصوصِ أيّ شيء، وما من قضيّة إلا ولها مهتمّون وجمهور، وبالتّالي فبمجرّد أن تُصبحَ القضيّة "تريندا"، فهذا يمنحُها حصانة من مُساءلة الجدوى والقيمة. من أنتَ لتُخالفَ هذه الجماهير العريضة أو لتعتبرَ أنّ هذه القضيّة مُصطنَعة أو زائفة أو مطروحة بشكلٍ مغلوط؟

الـ "تريند" بطبعِه لازمنيّ ولاتاريخيّ، هو ابن نفسِه وأبو نفسِه، ومشروعيّتُه من داخلِه لأنّه "تريند". حتّى لو أردتَ تتبّعَ تحوّلِ قضيّة إلى "تريند"، فأنتَ تسجِّلُ ظروفا وحسب، لا أسباباً، وحتّى لو أردتَ أن تطرحَ أسبابا فلا أحدَ يهتمّ. ستُصبحُ كمن يُريدُ أن يحدّثَ من يأكلُ النّقانقَ hotdog عن أصلِها المشبوه. من يأكلُ النقانق لا يُريدُ أن يعرفَ قصّتَها بداهة، وإن عرفَ فلذّتُها ستشغلُه.


هل يمكن هزيمة الـ "تريند" من داخله بمعارضة توجُّهِه؟

لا على الأغلب، فالـ "تريند" نادرا ما يحملُ قضيّة للنّقاش، بل هو يحملُ موقفا من قضيّة. لن تجدَ "تريندا" بعنوان "لنُناقش قضيّة كذا"، بل ستجدُ موقفا معلَنا من القضيّة، وحاسماً غالبا. قُلنا إن الـ "تريند" يُبرِّرُ نفسَه بنفسِه، ولذا، فمجرّدُ كونِ الموقف الفلانيّ قد وصل درجة الـ "تريند"، فهذا يُعطيه مشروعيّة ومقبوليّة، ويُعفي الموقفَ من عبء الإثباتِ والبُرهان، ويُلقي بهذا العبء على الموقفِ المقابل.

يبدو من يقفُ في وجهِ الـ "تريند" كمن يقفُ في وجهِ التاريخ. الـ "تريند" يُعطي شُعورا مُرهِباً لمن يحاولُ تحدّيَه، فهذه الأرقامُ المؤلَّفة والأسماء التي لا تعرفُها من السائرين في ركبِ الـ "تريند" تُعطي انطباعا بتقدّمِ جيشٍ لا تعرفُ عنه إلا أنّه ضخم، ولا تستطيعُ أن تُفكّرَ في جنودِه كأشخاصٍ ذوي سياقاتٍ متباينة ربّما كان من الممكن إقناعُهم برأيٍ آخرَ لو أنّك حاورتَهُم شخصيّا، لكنّ الـ "تريند" يجعلُهم يبدون جنودا مقنَّعي الوجوه لا يُريدونَ إلا التقدّمَ والاكتساح. حين تنظُرُ إلى "تريند" ما وهو يتقدّمُ ويعتلي المراتب، من السّهلِ أن تشعرَ أنّكَ أمام تاريخٍ يتقدّمُ ببطء لكن بثباتٍ وثقة. اكتساحٌ هادئٌ وبطيءٌ وواثق. هكذا يتقدّمُ التاريخ، ومن أنتَ لتقفَ في وجهِ التاريخ؟

هل يمكن هزيمة الـ "تريند" من خارجه بنقد فكرة الـ "تريند" نفسها؟
لا على الأغلب، وذلك بسبب السوابق التاريخيّة. لم تنجح مواجهة التلفاز من خارجِه، ولا مواجهة شبكات التواصل من خارجِها، ودائما ما وجدَ المنتقِدون أنفسَهم مضطرّين للانخراطِ في الحالة نقديّا، ثم الانخراطِ فيها مع بعضِ التحفّظات، ثم تتضاءلُ التحفّظات مع الوقت. لنتذكّر حجم النّقد الموجَّه ل"فيسبوك" منذ سنوات، ودعوات كثيرين لعدم استخدامِه، والإعلان المتكرّر من كثيرين عن هجرانِه وإغلاق صفحاتِهم. هذه المظاهر تراجعت كثيرا، وأصبح فيسبوك، مثل أشياء كثيرة قبله، مظهَراً من مظاهر الحياه له وعليه، ولا يصلُ نقدُه إلى درجة التخلّي عنه إلا في النادر جدّا.

هذا المآل مرشَّح بقوّة في حالة الـ "تريند". في البداية، يُصرّ كثيرون على عدم الانخراطِ فيه، ثم ينخرِطونَ رغبة في النقد من الداخل، ثم تتضاءل تحفّظاتُهم مع الزمن، ويُصبحُ الـ "تريند" مظهرا من مظاهر الحياة لا بدّ من التعامل معه وقبوله، ومحاولة التأثير فيه بقدر المستطاع.

أقصى ما يُمكنُ أن يفعلَه الإهمالُ هو ألا يُضيف لقوة الـ "تريند"، لكنّ هزيمة الـ "تريند" بإهمالِه أمر متعذّر، فهناك دائما راغبون في مجاراة الحالة والانخراطِ فيها، والصمتُ، مهما كان بليغا، ليس بمقدورِه مجاراة الكلام.

هل يمكن هزيمة الـ "تريند" بالإهمال؟
لا على الأغلب. أقصى ما يُمكنُ أن يفعلَه الإهمالُ هو ألا يُضيف لقوة الـ "تريند"، لكنّ هزيمة الـ "تريند" بإهمالِه أمر متعذّر، فهناك دائما راغبون في مجاراة الحالة والانخراطِ فيها، والصمتُ، مهما كان بليغا، ليس بمقدورِه مجاراة الكلام، خصوصا إذا كان كلاما متدفّقاً سيّالاً هادِراً.

يحدثُ أحيانا شيءٌ بالغ الطّرافة، ألا وهو أنْ تصلَ قضيةٌ ما إلى بؤرة الـ "تريند"، وتكونَ هذه القضيّة من صميم اختصاص شخصٍ من غير المنخرِطينِ في موجات الـ "تريند"، ويرى هذا الشّخص كيف تُعامَلُ هذه القضيّة التي قد يكونُ أفنى عمرَه في بحثِها، إذ يرى الاستسهال في إطلاقِ الأحكام، والاستقطابَ الشديد، والتسرّع المُريع في الوصول للاستنتاجات. قد يُحاولُ هذا المتخصِّصُ الإدلاءَ بدلوِه، فيجدُ أنّ قلّةً مهتمّون بجدّية في القضيّة أو في تكوين رأي ناضجٍ متّزِنٍ منها، والأسوأ من ذلك أنّ ال"تريند" سيهجرُ القضيّة إلى سواها بسرعة. قد تكونُ لهذا نتائجُ سيّئة في اتّجاهَين: من جهة، يزدادُ المتخصّصون زُهدا في محاولةِ توصيلِ المعرفة إلى الجمهور، ومن جهةٍ أخرى، يزدادون شكّاً في جدوى التخصّص والبحث المتأنّي والخبرة. الـ "تريند" يضرُّ حتّى من يحاولون إهمالَه.

هل يخدم الـ "تريند" القضايا؟
ربّما، في حالِ كونِه مركَّزا وذا طبيعة مطلبيّة محدّدة، مثل تغيير قانون مُثيرٍ للجدَل، أو فصل مُذيع تفوّه بعباراتٍ مسيئة لفئة ما، أو الاحتجاج على شركة اتّصالات. لكن في القضايا الأكثر جدليّة والشائكة ومتعدّدة الوجوه، فالـ"تريند" يغلبُ ضررُه على نفعِه. الطبيعة الاستقطابيّة للـ "تريند" تحدُّ من إمكان النقاش المنهجيّ المثمر. يُضافُ لذلك أنّ النّقاش سرعانَ ما ينحرفُ عن جوهرِ القضيّة إلى نقاش طرائق التعبير وأساليب عرض الآراء، ويحصلُ دائماً أن تنشَأَ قضايا صغيرة على هامش القضيّة التي يُثيرُها الـ "تريند"، فضلا عمّن يتّجهون لانتقاد المنخرِطين في الـ "تريند" باعتبار أنّهم يُهملون قضايا أكثر أهمّية. فوقَ ذلك، تتشكّل المواقفُ من القضيّة، والمواقف الناقدة لكلّ موقف، والمواقف المعترِضة على النّقد، والمواقف المستدركة على كلّ ما سبق، وبالتّالي فالنتيجة غالبا مزيدٌ من الحماسة السيكولوجيّة للمواقف، لكن تمييعٌ للقضايا نفسِها.

كيف نتعاملُ مع ال"تريند"؟
سؤالٌ معلٌّق.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتبادل ناشطون ومثقفون قطريون عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما علموه وتعلموه من الحصار المفروض على بلدهم منذ قرابة الشهر على وسم #أجمل_ما_في_الحصار.

يرد ناشطون ومثقفون قطريون وداعمون لهم عبر وسائل التواصل عبر وسم #التايم_لاين_عنابي، على وسوم التهديدات المنتشرة ضد قطر، والتي تشعلها تغريدات مؤيدة لدول الحصار تزامنا مع انتهاء مهلة الأيام العشرة.

حذر خبراء في الإنترنت أولياء الأمور من احتمال تعرض أطفالهم الذين يستخدمون تطبيق سناب شات لخطر تعقبهم من قبل غرباء يستغلون خاصية جديدة بوسائل التواصل الاجتماعي.

الأكثر قراءة