نشوة تحرّر وهمية

blogs - facebook

يا لها من نشوة تحرّر هذه التي تعيشها المجتمعات الإنسانية اليوم، فثمة إحساس بزوال سطوة البنى الهرمية وتضعضع السلطات الفوقية، كما يتعاظم الإحساس بالذات الفردية، خاصة مع قدرات التشبيك والبث المتاحة للفرد على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري.

 

يتفاعل التحوّل المطّرد من العمودي إلى الأفقي على نحو جارف، لكنّ المشهد ينطوي أيضاً على تفاعلات وأدوار غير مرئية، تتلازم مع اضمحلال الهياكل التقليدية تحت وطأة التشبيك التفاعلي وتتضافر مع تلاشي المركزيات بفعل المنحى التشاركي.

 

ثمة بُنى، ومفاهيم أيضاً، هرمية وتقليدية تزعزعت حقاً تحت ضربات التحوّل الجارف، لكنّ إشعاع الحالة الجديدة يحجب عن الأنظار حقيقة أنها تستبطن بُناها ومراكزها وسلطويّاتها غير الملحوظة وغير المألوفة حتى الآن.

 

يتصدّر الحالة السلطوية الجديدة رموز التحرّر أنفسهم، وكثير منهم شبان باتوا يمسكون بخطام أمم بأسرها، أو بالأحرى بزمام العالم تقريباً، طالما أنّ هذه الأمم متصلة بالشبكة، فهم من مواقعهم في الدولة العظمى الأولى يفرضون وقائع جديدة تماماً ولا يتوانون عن استعمال سلطاتهم ونفوذهم بصفة استحواذية إن أرادوا، رغم أنهم، مظهرياً، يبدون في منتهى الودّ والتواضع والبساطة.

 

إن كان العالم قد تباهى منذ خواتيم القرن العشرين بشعار ثورة الاتصالات والمعلومات؛ فقد بات هؤلاء الفرسان الجدد يشغلون الطبقة الأوليغارشية، فهم تحديداً أبرز المتنفذين بعد التحرّر التواصلي والشبكي. تحظى هذه الطبقة بتركيز شديد للصلاحيات بين أيديها، أكثر من أي وقت مضى تقريباً. لنتخيّل معنى أن ينجح شاب عشريني بحصد عشرات المليارات من الدولارات بضربة إبداعية واحدة، ولن يكون مارك زوكربيرغ سوى أحد هؤلاء الذين يستثمرون في الفكرة وفي الجماهير؛ وليس في الأموال. ومع ذلك؛ تواصل الرموز السلطوية الجديدة التصرّف بتواضع مفرط، متحاشية طقوس الأوليغارشية التقليدية. إنهم أذكياء حقاً فلا يمنحون الانطباع بأنّ أقداراً مذهلة من النفوذ تقع تحت إمرتهم المباشرة، ثم يتصرف أحدهم كأنهم واحد من شباب العالم تماماً.

 

ولمّا كان العهد الجديد هو زمن المعلومات وتدفقاتها الحرة؛ فإنّ تركيز السلطة والنفوذ شهد إزاحة من بؤر الصناعة إلى رأسمالية البيانات وعُقد التشبيك المركزية، ولن نعجب إن وجدناها إزاحة موضوعية لا موضعية في غالبها، فما زال العالم معلّقاً بالشمال الغربي، أو بصفة أدقّ على جانبي الأطلسي شمالاً.

 

جسّدت أسماء مثل بيل غيتس وستيف جوبز الجيل الطليعي في هذا التحوّل. ثم تطوّر المسار مع زوكربيرغ وأقرانه في عالم الشبكات الاجتماعية وتطبيقات التواصل. ولهذا الجيل الجديد سمات محببة وودودة حتى أنها تتحاشى التكلّف الفوقي والمظاهر البيروقراطية أو التعبير عن الحظوة والثراء. وإن أزاح جيل 1968 الأوروبي والأمريكي القبعات والملابس الرسمية؛ فقد نزع الجيل الجديد ربطات العنق بالكامل وأخذ يشغل مواقع العمل الرسمية بملابس نهاية الأسبوع أو يباشر وظائفه من خارج المكاتب التقليدية. يمتلئ متنفذو الجيل الجديد بحيوية الشباب، ويسمح أحدهم لنفسه بأن يتصرّف على نحو رؤيوي، حتى ليحسب المرء أنّ فلسفات التاريخ يُعاد إنتاجها في وصايا أنبياء الزمن الجديد، المحاطين بالعلامات التجارية الخاصة بقطاع المعلوماتية والشبكات وتطبيقات التواصل.

 

تمت مراسم وداع ستيف جوبز من عالمنا كما لو كان بوذا، حتى استحالت التفاحة المقضومة رمزاً مقدّساً عند بعضهم يشعّ بهالة إيحائية مكثّفة. إنها أكثر من مجرد علامة تجارية؛ فقد أمست روح أجيال ونمط حياة والتزاماً مخلصاً وتمذهُباً تقنياً عند طائفة "آي".

 

أتاح بزوغ هذا الجيل فرصة صعود نادرة لشخص استثنائي عن السياق الأبيض المتنفذ في أمم الشمال. إنه باراك أوباما الذي استحوذ على البيت الأبيض دورتين كاملتين، قبل أن يؤول المشهد إلى انتكاسة جسيمة اسمها دونالد ترمب. جسّد أوباما مظاهر المتنفذين الجدد، رغم تقدمه النسبي في العمر عن جيل زوكربيرغ، فقد لازمته هالة القديسين بمجرد صعوده المنصّة الانتخابية، ولهذا الانطباع الملائكي صلة ما بالإرث البائس الذي شكّله الفُحش في القول والتجاوز في المسلك على يدي سلفه جورج بوش الابن. ثم إنه أول رئيس أمريكي "ملوّن"، وهو الأخير على الأرجح. بلغت الهالة مبلغها بمنح أوباما جائزة نوبل للسلام حتى قبل أن يباشر تشغيل الآلة العملاقة المسماة أمريكا، وكان من المفترض أن يتكرر مثل هذا المنحى من التمجيد الفائق بشكل ما مع هيلاري، إن نجحت السيدة كلينتون بأن تغدو أول امرأة في المنصب، وهي التي تستعمل الإيماءات ولغة الجسد ببراعة جعلت منها ملاك السياسة الأمريكية لمجرد أنّ بديلها اسمه ترمب، ولكن ما العمل وقد انطفأت حظوظها على نحو فاجأ العالم تقريباً؟!

 

كان عهد أوباما ناعماً للغاية في مستوى الانطباعات عنه، رغم أنّ الواقع على الأرض حول العالم شهد تفاقماً للحروب والنزاعات والحرائق والاضطرابات، مع استمرار تشغيل الفضيحة الأمريكية المسماة غوانتانامو أيضاً.

 

وقبل أوباما وبعده يُواصل المنحى التقني مساهمته في تنميط أذواق الجيل الجديد وتشكيل نفسيات الجماهير في هذه الحقبة. تحوز امبراطورية "غوغل" قدرة التعبير عن السلطوية الطاغية ذات الرداء الوديع. إنها متواضعة المظهر، بمسطّح أبيض يستولي على الشاشات بلا تكلّف، مع هوية بصرية تُحفِّز على الألفة السريعة، لكنها ليست محرِّك بحث وحسب؛ بل هي وطن المبحرين في الشبكات أو لعلها عالم بحياله. ولا مبالغة في الزعم بأنّ "غوغل" باتت امبراطورية تملك من قدرات السيطرة والتحكم والإبراز والإقصاء والمركزيات غير الملحوظة ما لم تُؤت إياه شبكة قبلها. فمن بوسعه أن يعيش اليوم بدون "غوغل"؟

 

وإذ تتجلّى مظاهر ما بعد الحداثة في الصناعة الثقافية والفنية فإنها تحتفي بنزعات التحوّل القيمي من الصلابة إلى السيولة، وتباشر تأهيل الحس الجماهيري في المجتمعات للتكيّف مع سطوة الواقع المتحوِّل، أو الذي يُراد له أن يمضي في اتجاهات محسوبة

يتجلّى هذا المنحى من الهيمنة اللطيفة، في نظام العمل والتشغيل ضمن مؤسسة "غوغل" ذاتها. فقد أقدمت المؤسسة بذكاء رؤيوي على إعادة إنتاج التقاليد اليومية في عالم العمل كما تواطأ عليها البشر في العصر الحديث. يستطيع الموظف أن يصطحب أفراد أسرته إلى مقرّ المؤسسة، وأن يرعى أطفاله فيها فيسرحون ويمرحون، وأن يأتي بحيواناته المنزلية أيضاً. يجري تناول الطعام خلال أوقات الدوام في أجواء أسرية ودودة. كما تجاوزت التأثيثات والتقسيمات التكلّف الوظيفي المعهود وفرضت تقاليد جديدة في بيئات العمل، وتغيب ربطات العنق أيضاً التي يقع نبذها مع الوقت بصفتها من مظاهر التكلّف. ومع مسحة الألفة وطابع الطرافة وحسّ المعايشة وروح الودّ؛ تقتحم المؤسسة، أو نظام التشغيل، حياة مستخدميها، وتهيمن عليهم، وتفرض عليهم التشرّب بهويتها وتعبيراتها البصرية والتواصلية.

 

بهذا المنحى آلت بعض المؤسسات الحاذقة إلى فضاء للحياة ومعابد جديدة، ولا ينقصها سوى الوصايا العشر، وحتى هذه يجري التعبير عنها عادة باسم فلسفة المؤسسة أو قيم الشركة، وقد يقع إبرازها في نقاط عشر كالمعتاد! أمّا الموظفون، الذين يجري الإيحاء على نحو متزايد بأنهم صانعو الحالة وشركاء العمل وليسوا أجراء تقليديين؛ فيتعيّن عليهم أن يتشرّبوا فلسفة المؤسسة ويستلهموا قيمها ويحفظوا مقولاتها المنحوتة في الألواح والمبثوثة على الجدران وفي الشبكات. وفي هذه أيضاً بوسعنا أن نكتشف مساحة المقدّس التي لا تبقى في وعي الفرد شاغرة، فإن غابت عنها مقدسات معرّفة فإنّ الهالة القدسية في تمظهرها الحديث سيتم إضفاؤها على أشخاص ومؤسسات ورموز ومقولات، وهي إن غابت تماماً فسيكون الإنسان ذاته هو الذي تألّه.

 

تتحرّى المؤسسات الحديثة الاقتراب من الإنسان أساساً سعياً لاحتوائه، وقد يُعاد تعريف الزبائنية في هذا المنحى من جذورها، فالمسلك الجديد قائم على الاحتواء غير الملحوظ، الذي يبدأ مثلاً من مجانية الخدمة ويُسر الاستخدام. بهذا فإنّ مستخدمي الشبكات والتطبيقات المجانية التي تتخلل حياة البشر اليومية حتى أعماقها، يتبادلون في واقع الحال ما يحاكي، تقريباً، أدواراً نمطية للزبائن وللموظفين في آن. ويجوز الافتراض بأنّ الزبون هو ذاته السلعة، أمّا الخدمة المجانية التي يتلقاها فهي الطُّعم أو المصيدة التي لا فكاك له منهما.

 

تجري في ظلال ذلك مساع متضافرة لتعظيم الهيمنة الوجدانية على البشر، مثلاً عبر الجهود الحثيثة التي تبذلها دراسات السوق ومسوح الرأي التي تتحرّى تفضيلات الناس ومداخلهم النفسية والوجدانية والذهنية؛ كي تستعملها في التمكين لمنتجات والتوطئة لخدمات يُرجى تسويقها. ومع هذه الدراسات وما يتبعها من ضخ إعلاني وترويج إعلامي تجري استثارة اهتمامات جديدة وتوليد الإحساس بحاجات غير مسبوقة تمهيداً للسوق كي يباشر تلبيتها. تجاوز الزمن الجديد فكرة تلبية حاجات الجمهور القائمة، طالما أنّ التوجّه يشمل أيضاً إنشاء وعي بحاجات جديدة تتم استثارتها تمهيداً للاندفاع إلى تلبيتها. وسيحتفظ أولو الأمر بما ستبدو فضيلة المبادرة إلى تلبية حاجات قائمة؛ رغم أنّ الإحساس بهذه الحاجات هو نتاج وعي زائف غالباً. 

 

مرونة التشبيك والمنحى التفاعلي والتأثيرات الثقافية الناعمة والتعبيرات اللطيفة عن النفوذ المتعاظم لم تعد في جملتها تُسعِف الجماهير في إدراك حقيقة الوقوع في شباك هي في أصلها غير مرئية. 

تضافرت هذه التفاعلات في صميم العولمة، وساهمت هذه الأخيرة بقسط وافر في تعظيم قدرات الصناعة الثقافية والفنية بمراكزها المعروفة والمعدودة في العالم، وتمكينها من تنميط الأذواق وأن تصنع لأمم الأرض رموزها التي تستبطن في ذاتها تحيّزات لأنماط محددة من العيش والسلوك. ويجري في هذا السياق، بوعي تام، تمرير أقدار محسوبة من تعبيرات التحيّز عن نزعات اجتماعية معينة، ومنها ما يعيد تعريف الذكورة والأنوثة والعلاقات الجنسية ومفهوم الأسرة وأسس البناء الاجتماعي. وإذ تتجلّى مظاهر ما بعد الحداثة في الصناعة الثقافية والفنية فإنها تحتفي بنزعات التحوّل القيمي من الصلابة إلى السيولة، وتباشر تأهيل الحس الجماهيري في المجتمعات للتكيّف مع سطوة الواقع المتحوِّل، أو الذي يُراد له أن يمضي في اتجاهات محسوبة. لهذا الواقع سطوته بحقّ، ولا تنفكّ عن التأثير فيه مراكز استقطاب من نمط جديد، وهي ليست مرئية غالباً.

 

كانت السلطوية التقليدية التي انطوت عليها البنيوية الهرمية تتجلى في السابق بصفة ظاهرة جلية غالباً، بما يكفي لاستفزاز الوعي وإيقاظ موجات الغضب منها في لحظة ما. لكنّ مرونة التشبيك والمنحى التفاعلي والتأثيرات الثقافية الناعمة والتعبيرات اللطيفة عن النفوذ المتعاظم لم تعد في جملتها تُسعِف الجماهير في إدراك حقيقة الوقوع في شباك هي في أصلها غير مرئية. وقد تعترف مجتمعات الحاضر يوماً ما بأنها ابتلعت في غفلة منها أوهاماً منحتها نشوة التحرّر، في حالة وجدانية منفصلة عن الواقع تقريباً.