مسألة السلطة.. بين الديمقراطية والحاكم بأمر الله (4)

blogs حرية

ولهذا وبخلاف الغرب ففي الثقافة الإسلامية لا زال ليومنا هذا مرتكز الحكم شيئان: القوة والشرعية الدينية، إذا استثنينا ما طرأ في القرن الأخير وهو التبعية، وإن كانت القوة هي الثابت الوحيد، فإن الشرعية الدينية وربط طاعة السلطان بطاعة الله وتحريم خلعه، تدور بدورها مع القوة، ويسقط أصحابها في تناقض ونفاق رهيب، فتحريم خلع الحاكم ومعصيته ومنازعته، تبطل مباشرة بعد نجاح الحاكم الجديد في بسط حكمه وتكريس سلطته، فتتحول الطاعة آليا للحاكم الجديد، وتُجيّر الأدلة الشرعية من جديد للدفاع عن بقاءه، بالرغم من أنه كان قبل نجاحه خارجا عن الشرع والدين.

ورغم أن الدين واضح في هذا الشأن بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما، وحديث: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"، لكن ومنذ فترة طويلة من التاريخ الإسلامي فإن الدين لم يعد يستخدم لتثبيت الحق ولا لدفع الظلم والفساد حقيقة، لكن يوظف فقط فيما يفيد السلطة القائمة ثم يعطل، ورأي الفقهاء يدور مع من غلب.

وفي حين انتهى الغرب لحسم مسألة السلطة نهائيا، واهتدى للنموذج المثالي الذي جعل الحياة تنتقل بسلاسة، ولم تعد جموع الشعب مهمومة بمعضلة الحكم، ولا منشغلة فقط بما ينتج عنها من عقبات، بل التفت كل لميدانه وتخصصه ليبدع فيه، وهو ما انعكس على نهضة بلادهم وعمرانها، ترزح بلاد المسلمين منذ عهود تحت الأزمات السياسية، وينعدم الاستقرار بسبب الصراع الدائم على السلطة.

لقد أعادت الثورات العربية تحريك المياه الراكدة وإشعال كثير من الأنوار وسط الظلام الدامس المنتشر، وأعادت الاعتبار لمفهوم الإرادة الشعبية، وحق الشعب في حكم نفسه، وزعزعت مفهوم الحاكم المعصوم

وعند هذه النقطة بالضبط بدأ البون يتسع بين الغرب والعالم الإسلامي، فحين اندلعت الثورات في كامل أوروبا وأمريكا وسارت على نهجهم اليابان، ونتج عنها تطبيق الأفكار الحديثة عن نظام الحكم لجون لوك وجون جاك روسو، وظهرت الديمقراطيات والجمهوريات والملكيات المقيدة، وكتبت الدساتير وأضحى من غير المقبول التصرف بمعزل عن إرادة الأمة، كانت لغة الحاكم بأمر الله لا زالت تسود ربوعنا.

فاعتماد شرعية المؤسسات جعلت أي مغامر اليوم في بلاد الدنيا لا يقدم على القفز على كرسي الحكم لأنه يعلم أنه لن يتم الاعتراف له به فأحجم، ولو كانت القوة هي المرجع فإن مؤسسة الرئاسة في أمريكا هي الأضعف بين نظيراتها من مؤسسات الدولة مثل وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ولما استقر الأمر يوما واحدا لها، ولا زلنا نحن لليوم ننتقل من شرعية شخص لشرعية آخر يطيح به، ولا زال كل حاكم ينصب يأتي بدستوره ونظامه، بل يذهب الشعب والحاكم باق.

ولذا على المسلمين اليوم حتى يعرفوا طريقا للنهوض والخلاص، استرجاع حقهم الشرعي والمتمثل في اختيار من يحكمهم، ومباشرة مراقبة ومتابعة من يمارس ذلك أمرا لا فضلا، ليس تقليدا لأحد لكن لأن ذلك من صميم دينهم، وصحيح من قولهم، وثابت عن خيرة فترة أسست لوجودهم، ولأن ذلك ضرورة عقلية ووجودية دونها بقائهم في مستنقع التبعية والتخلف والاستبداد.

لقد أعادت الثورات العربية تحريك المياه الراكدة وإشعال كثير من الأنوار وسط الظلام الدامس المنتشر، وأعادت الاعتبار لمفهوم الإرادة الشعبية، وحق الشعب في حكم نفسه، وزعزعت مفهوم الحاكم المعصوم، ورغم ترنح أكثر الثورات ونجاح الأنظمة في توجيه ضربات قاصمة قاسية للشعوب، فإن كم الوعي الذي تسرب هذه المرة عبر شقوق الجدران السميكة التي بناها الاستبداد عبر قرون عديدة، من الصعب أن يتم مواجهته، وسيبذر كثير من البراعم التي ستزهر قريبا، وليس ختاما أفضل من القول المأثور عن معاوية بن أبي سفيان – رضـي الله عنـه – فـي وصيته لابنه يزيد: "اتق صيحة العامة"، وما أثر عن الإمام الشعبي: "نِعمَ الشيء الغوغاء يسدُّون السيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاء السوء".