لغتنا سِلاحنا

مدونات - اللغة العربية

يقول مصطفى صادق الرافعي -غفر الله له ولنا- "ما ذلت لغة شعب إلا ذل ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار" ارتأيت أن استهل بهذه المقولة حتى تقف أيها القارئ على ما أكتبه أنا الآن وما تقرأه أنت الآن على أهمية اللغة عند كل شعب على حدة، ودورها المحوري في التقدم والازدهار في مختلف مناحي المجالات. إن للغة قيمة جوهرية كبيرة في حياة الفرد وحياة كل أمة فهي تشكل الآلية الحاملة للأفكار والمجسِدة للمفاهيم وترسانة ثقافية والمحرك الأساسي بعد العقل للبحث العلمي، الذي يبني أمة قائمة بذاتها لتحمي كيانها وتحافظ على خصوصيتها.

إن واقع العالم العربي يبرز بالملموس الهوة الكبيرة والتقصير في خدمة لغته، هذا التقصير يتجلى في دراستها وتدارسها والتحدث بها والتباهي والاعتزاز والفخر اللامشروط، ودحض كل أقوال تُنقِص من قيمتها أمام كل أجنبي عنها وعربي قلل منها، والذودِ عنها ضد من استعمرنا عسكريا ولغويا وفكريا، فتخلى عن أسلحته التقليدية المادية جانبا ليبقى متسلحاً بما هو أخطر- اللغة – وهي إحدى المقومات التي تتأسس عليها الأمة، بعد أن زرع ورماًُ فتاكً يتطلب منا عزيمة وإرادة جماعية تنقذنا من الجهل والذل والخنوع، وتحررنا وتحرر علومنا وثقافتنا من سجانِ ملكنُاه رقابنا، ومن فيروس شاع وساح بيننا فعطل لغتنا وجمد تقدمناُ، حيث أنه لم يكتف بتقويض المفهوم الجغرافي فحسب وإنما قصد وقوض أهم مقوم من مقوماتنا هي لغتنا، فتمكن من فرض لغاته علينا فخضعنا لإملاءاته.

أيها العربي لنشهر سلاحنا ونُعمل عقولنا لنُحي ماضينا ونُعيد هبتنا ونحمي ثقافتنا ونجدد علومنا ونطور معارفنا بترجمة العلوم إلى لغتنا لتدفع بنا إلى أعلى القمم.

لم نستطع أن نحافظ على إرثنا وثرواتنا اللغوية بالكاد تطويرها بعد خضوعنا للأقوى، وجاء في مقدمة ابن خلدون "إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء في شعاره وزيه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه.." من هنا تكمن السيطرة، واللغة جزء منها فالمغلوب يتبع الغالب ويقلده ويبقى متأثرا به.

لكن اعلموا يا أمة اجتهدت في التقليد وإتقان دور التابع للمتبوع أن المسلمين العرب عندما فتحوا شبه الجزيرة الإيبيرية -الأندلس- كان القُوطي نسبة إلى الدولة القُوطية التي فتحها المسلمين يقول لمن أسدى له خدمة وأراد شكره "شكرا" بلغة عربية ولحبيبته عندما يُعبر لها عن حبه "أحبك" متباهياُ بلغة دولة من هو تحت سيطرتها اقتصاديا وعلميا، إلا انهم درسوا العلوم وترجموها إلى لغتهم فانقلب حالنا رأسا على عاقب فبِتنا نجامل بلغة أجنبية وندرِس أبناءنا لغة أجنبية فبرزت وعمرت الهيمنة اللغوية على حياتنا وثقافتنا وبحثنا العلمي الذي بات عند البعض مجرد اجترار وتقليد فضلُوا وأضلُوا، مفضلين تكريس تبعية شبه مطلقة، ألم تحينوا إلى زمن كنتم فيه المُوجِه والمقلد بفتح اللام؟.

استعمر البعض منا حقيقة وحكما والبعض الآخر خضع للحماية حكما واستعمر حقيقة، فلم تسلم من البطش علومونا من طب وهندسة ورياضيات.. فأخضعها للتبعية، بفعل فاعل ومساهمة المفعول به -العرب- الذين أبو واستكبروا إلا أن يبقوا قابعين في محيط لا شاطئ له، تلاطمهم أمواجاً لغويا تارةً إنجليزية وتارةً فرنسية والآن صينية ولغتنا العربية منسية، ألم يحِن الأوان للسيطرة على العلوم والمفاهيم من خلال التعريب والابتعاد عن الاقتداء بالغالب المتبوع؟

هل تناست أمة الضاد أن اختيار الحكيم الأعلى للغة العربية لحفظ آخر الرسالات السماوية إنما هو أية ورسالة صريحة عن صلاحيتها، فهي لغة مستوعبة للتطور وقدرتها كبيرة على الإحاطة بالمعاني والأفكار مجردة كانت أو علمية، لكنها غير متطورة والعيب إذاً فينا لا فيها وهذا في حقيقة الأمر واقع حالِنا الذي ارتضينا ورضينا به بدماء باردة ليست من شيمنا وعروبتنا . لم ينفعنا العدد ولا الثروات الباطنية لأننا أهملنا العُدة لإعداد وإعادة الأمة العربية إلى مكانها الطبيعي الريادي عُدة العقل واللغة والعلم في البحث عن المعارف واكتشاف الحقائق، فأين نحن من ابن خلدون والغزالي وابن سينا..؟

فلنرفع شعار لغتنا ونخلع قِناعا قَنَعَ منا، قناعة طائر جريح استعصى عليه الطيران، فلتحرر أيها العربي لتصبح الإنسان المنتج المبدع، فالياباني والصيني يدرس ويبحث بلغته، على عكس العربي الذي ما دأب على لغات أجنبية.

لغتنا هي مقوم من مقومات حياتنا وكياننا وهي الحاملة لثقافتنا ورسالتنا، استطاعت أن تكون لغة العلوم في زمان كان له رجالاته ونسائه ليس كرجال ونساء اليوم. إلا أن من عارفو حقيقتها وقيمتها فانطلقوا منها بعدما ترجموا ما وصل إليه العرب في زمنهم فوصلوا إلى ما واصلو إليه. قد شهد شاهد منهم وليام ورك بقوله عن لغة القران " إن للعربية لينا ومرونة يمكنانها من التكييف وفقا لمقتضيات العصر " كما أن الأمم المتحدة اعتمدتها ضمن اللغات الستة الرسمية لديها، لتخاطب أمة غارقة في الحروب المذهبية والطائفية، مجتهدة في التقليد متواكلة لا المتوكلة، أمة أصبحت محل دراسة وفراسة. ومازال العديد منا يعتبرها عائقا لتحصيل العلم وأن زمانها قد ولى وهو لم يدرسها ويدرس قواعدها، ليتطلع على ما تضمه من مميزات تميزها عن غيرها، فهي بحرٌ لا مرسى له لمن جرب سباحة في أغوارها.

فلنرفع شعار لغتنا ونخلع قِناعا قَنَعَ منا، قناعة طائر جريح استعصى عليه الطيران، فلتحرر أيها العربي لتصبح الإنسان المنتج المبدع، فالياباني والصيني يدرس ويبحث بلغته، على عكس العربي الذي ما دأب على لغات أجنبية فرنسية أو انكليزية في دراسته وفي بحثه عن عمل، فاللغة تحيا بالدراسة والاستعمال لتُحكِم قبضتها على علوم أفلتتها من يديها. أيها العربي لنشهر سلاحنا ونُعمل عقولنا لنُحي ماضينا ونُعيد هبتنا ونحمي ثقافتنا ونجدد علومنا ونطور معارفنا بترجمة العلوم إلى لغتنا لتدفع بنا إلى أعلى القمم. لهذه الأسباب وأسباب أخرى سنبقى تابعين مقلدين جاهلين إذا لم نعد وننطلق من لغتنا.