طالِبة لا مطلوبة

blogs حجاب
أثناء تصفحي اليومي لإجابات بعض المشاهير من الدُعاة على موقع آسك.. دومًا ما تستوقفى أسئلةٌ أتحسس بين أحرفها الكثير من الألم، يتغلغل بين طياتِها قلة الحيلة و كثيرٌ من الوَهن؛ فغالبا ما تكون من فتاة تأخر زواجُها ولا تملك من أمرها شيئًا؛ فأتت هُنا تتسائل عساها تجدُ ضالتها أو تتحسس بين كلماته طيفًا تتقفى أثره أو يدعو لها دعوةً بأن تقر عيْنُها بزوجٍ صالح، وذلك أضعفُ الإيمان
"أُريد أن أتزوج، تأخر زواجي يا مولانا كثيرا بينما أنا على قدرٍ من الدين وأحِملُ من العِلم الكثير ولا يتقدم لى أحد، فماذا أفعل ؟ يُخبرونني دومًا أن العيب في حجابى وأنّهُ يقفُ حائلًا بيني وبين الزواج ولا سِيّما أن معارِفنا قليلة. يقولون إنِّي أقف عائقًا أمام مُستقبلي بتمنُعي وبُعدي عن مواطن الفتن ورفضي الاختلاط، فمَنْ فينا المُخطِئ؟ هل حجابي وإفراطي في الحِشمة سيُكلل مسعاي -كما يزعمون -بالوحِدة وما يعقُبها من تمنِي الموْت؟ التزمتُ وحفظتُ قلبي، صُنته عن مواطن الفِتن كي أسكُن إلى أحدهم يوما في رضى مولاي، فهل كُنت مُسرِفة في ذلك؟ وإن كُنت.. فما الحل إذًا!".

المُجتمع يضع شروطًا ويُغالي فيها كثيرًا، يصنعُ قيودًا مادية للشباب بدعوى العُرفِ والتقاليد فيجعل الحرام أيسر من الحلال بكثير فيقف الشاب عاجزًا لا يدري من أين يأتي بكل هذه الأموال كي يتزوج فقط بينما الحرام أسهل من ذلك بكثير!

يُجيبها مولانا وكثيرًا ما أرى بين أحرفِه حيرة مُتوارية خَلفَ الدُعاءِ تارةً وبين إيقاع اللومِ الحنون عليها تارةً أخرى بدعوى أن "الزواج رزق والرزق يحب الخِفيّة" ويجب عليها أن تتواجد بين الناس وتحتك بالمُجتمع احتكاكًا يحفظ لها دينها فتظهر هُنا وهُناك. في المساجدِ كثيرًا وفي قاعات الاحتفالاتِ النسائية وتُظهر جمال روحِها لهذه وتلك وكأنه قد وقع على عاتِقها أن تُزوج نفسها، أو أنّ الآية انقلبَت فصارت طالِبة لا مطلوبة! والعديد من المرات أراه يتعجبُ مما آل إليه المُجتمع الإسلامي من طبقيته الفاسدة وفِكره المُهترئ الذي يُتيح لمن تملك من الجمال والمالِ فُرصًا بمقدار ما يملكُ والدها، بينما ذات العِلم والدين فقط تقِفُ حَيْرى كما وقفت صاحبتُنا المذكورة أعلاه!

بدايةً وَجَبَ التنويه على أن الزواج ليس نهاية المطاف ولا الغاية الكُبرى التي من أجلِها خُلقنا وبها ولها يجبُ أن نحيا. فالزواج لا يزيد عن كونه وسيلة لاستمرار الحياة يُمكنك التخلّي عنها إذا أردت ذلك. لكن هُنا، في مُجتمعنا الشرقي فهو أساسُ الحياة وهدُفها الأسمى حيثُ تولد الفتاة وتحيا لأجل زوجِها المُنتظر وبالتالي تأخره مُشكلة لا يُمكن أبدًا التغاضي عنها وكذلك أيضًا لا يمكن أن نُلقيها على عاتق طرف دون الآخر؛ فالجميع يشترك فيه بدايةً من الفتاة وانتهاءً بمنظومة المُجتمع غير المُتزنة. فالمُجتمع يضع شروطًا ويُغالي فيها كثيرًا، يصنعُ قيودًا مادية للشباب بدعوى العُرفِ والتقاليد فيجعل الحرام أيسر من الحلال بكثير فيقف الشاب عاجزًا لا يدري من أين يأتي بكل هذه الأموال كي يتزوج فقط بينما الحرام أسهل من ذلك بكثير!

وبالنظر إلى الطرفِ الآخر وهو الفتاة تجِدهُ يُضيقُ عليها كثيرًا، بدايةً من تصنِيفه الفتاة على أنها سِلعة تتفاوت فُرص شرائها اعتمادًا على مدى تكشُفِها ومهارتها في إظهار جمالها أو قدرتها على التغلغل في أوساط الرجال، ومرورًا بغرس قيم خاطئة عن العِفة والحجاب ووضع الزوج الصالِح سببًا وجزاءً لعِفتِها لا لأنَّ الله هو من أمر بذلك وأنَّ أمره ُسُبحانه لا يستوجب أن يكون جزاء الامتثال له زوج صالح وكأنّ الجنّة كُتِبَ على بابها أنها للمُتزوجات فقط، وانتهاءً بأنها السبب الأوحد في تأخر زواجها وأنها يجب أن تتحمل ضياع هويتة الفكرية والهمجية التي يمور بها!

لا يُمكنني أيضًا أن أُنكر أن َّكثيرًا من الفتيات يتسببن في تأخر زواجهن وزواج من هُن على شاكلتِها . فعلى سبيل المثال: رُبما يتقدم للأُخت زوجٌ على خُلقٍ ودين ولكنه لا يحفظ القرآن كاملًا أو ليس مكتبة عِلم شرعى مُتنقلة أو رُبما لسوء حظِه لا تُزين اللحيةُ وجهه، يا الله تقومُ الدُنيا ولا تقعُد وكأنّهُ اقترفَ جُرمًا حين أقبل على مِثل هذا فيكون الرفض خيارها الأفضل ويكون الفرار منها ومن شبيهاتِها هو القرار الذي لا رَجعة فيه فتجني على نفسِها وعلى الأُخريات بذلك كثيرًا.

إنَّ أسباب الأمر كثيرة ومُتشعِبة، تتفرقُ الأسباب بين الجميع ولا ندري لأيّهم نَرْكن ونُطالبه بتصحيح جُرمه، لكن ما نعلمه جميعًا أن الأمر لن يتم حله جذريًا إلّا بتكاتُف الجميع وهدم التقاليد البالية وإزالة الرواسب الفكرية الخاطئة عن الزواج والحياة عموما.

أمّا عن السائلة فسوف أُجيبكِ بقلبٍ يستشعرُ مرارة العَبرات المُتتابعة ويرى التأرجحِ بين يقينك بما تؤمنين به وبين العواصف التى تقذف بكِ من كُل جانب، تُؤلِمه غُصات قلبك حين أخبروكِ بأنكِ حائل أمام زواجِك، يلحَظُ رعشة اليدين حين تجدين الوِحدة في نهاية مسعاكِ تنتظر. رفيقتي! أنتِ على صواب بحجابك وعِفتِك فلا تستمعي لمُجتمعٍ يكره الحشِمة ويدعو للسفور. الزواج ليس هدفكِ الأسمى الذي من أجلِه خُلقتِ.. هو رزقٌ نعم ولكنّه كغيره من الأرزاق إن أتى فبِها وإن لم يأتِ فدَعْكِ من كل هذا الوَهن فلا يزال في الحياةِ مُتسع لأحلامِنا وذواتِنا الواهِنة. "اصنعي عالمكِ الخاص" عالمًا تسعَدين بِه، أخرِجي عقلَكِ من عُنقِ القيل والقال وألقي بنفسكِ في بحور الحياة وإن لم يُحبكِ العالم بما يكفي فرُبما تُحبكِ أرفف الكُتب وتحتويكِ فقرةٌ في كتاب أو تجدين راحتكِ في عملٍ يحفظُ لكِ أنوثكِ ويُعلي من شأنكِ أو ربما هُناك في أغوار نفسكِ ستجدين من الجمال ما يُخبِرُكِ كُل يوم أن الحياة بأكملِها لا يُمكن أن تنحصِر في زوْج، فقط آمِني بأنَّ الأمرَ كُله لله!