رجال سوريون في الشمس

blogs - syrian
لا نتحدث عن الرواية الأولى لـ غسان كنفاني رجال في الشمس (1963)، وقد تناول النقاد بعد استشهاده في الثامن من تموز 1973، معظم إنتاجه الفكري والأدبي قصصا وروايات، فنانا وناقداً متميزاً وكاتبا ساخراً، ومفكرا سياسيا تقدم على أبناء جيله في الإنتاج الغزير الذي تركه لنا، في أقسى الظروف وأعقدها، نتذكر غسان وروايته الأشهر وما حملته بذور الكشف عن المسار الصحيح لعلاقة رجاله مع التاريخ.
كم من الرجال تناسل في الشمس، وكم منهم سُفحوا أو حوصروا داخل صهاريج الوطن تحت شمس حارقة؟ ما أسهل وأعقد الرواية قبل نصف قرن، أبو الخيزران له نسل يعمل بشغف بين ظهرانينا، كل جولة تخرج فيها الجثث من صهاريج الوطن الحارقة بات لها صرخات مدوية، قرعنا الجدران وهدمناها، يصيح الرجال والأطفال في صحراء امتدت من البصرة إلى بادية الشام: جباه الرجال تذل والأجساد تشوى وتختنق الأرواح.

مساراً تاريخيا لا يقود لأحلام البشر، في الأحشاء فجرٌ من تحولات أبي الخيزران من سمسار إلى جلاد ثم لجزار يتفنن في نعت الرجال أتريدون قرع الجدران، حسناً هدمتها فوق رؤوسكم ودفنتكم تحتها فما أنتم فاعلين، "بدكم حريي هاي منشان الحرية.. بطولة الموت هناك نتابعها تحت الشمس وتحت الثلج وفي قاع البحار التي هامت النساء والرجال والأطفال في أعاليها ثم استقرت في قاعها، خضنا تجربة الموت المنسوخ عن نكبات الانحطاط العربي والإنساني.

ما الذي يعنيه مشاهدة مخيم لنازحين سوريين يحترق، تنقله كاميرات بشكل مباشر، بعد يوم من سحق مخيم آخر، غير احتراق اللغة والاستدارة السريعة للبحث عن جدران مرفوعة كي تقرع من جديد، لا جدران هنا يقرعها الرجال بعد دوي البراميل المتفجرة.

اتسعت رقعة انتشار الرجال في الشمس، مخيمات كثيرة ورجال أكثر في زنازين لا ترى الشمس استحالت أجسادهم لأرقام مهربة، لا بصهريج أبي الخيزران بل على "فلاشة " سيزر، تُهرب الصور أو الأفلام أو تنقل المشاهد حية وهي تسحق الأجساد، دهشة كبرى سرعان ما تصبح أمرا عادياً لانتظار بقية المشاهد لاستيلاد دهشات باهتة عن علاقتنا مع التاريخ الذي كشفه كنفاني بقسوة قبل أكثر من نصف قرن، لتعاد أمامنا مشاهد أقسى من تلك التي شاهدناها في فيلم "المخدوعون" للرجال في الشمس.

يحترق الرجال في مخيماتهم ومدنهم وقراهم، لا بفعل الشمس، بل بإصرار أبناء أبي الخيزران للتخلص منهم دفعة واحدة، من نسلهم وتاريخهم وروايتهم، لنمحي كل أثر لهم، أصحاب أرض البرتقال الحزين مع أصحاب الزيتون واللوز والعنب المحروق والمجروف بدبابات "جيشين" ينتميان لعقيدة واحدة، لا تمييز هنا بين دبابة عصابات استيطانية وأخرى طغيانية، تذخيرهم ودريئتهم واحدة. لا نجاة لفلسطين من سوريا ولا لسوريا من فلسطين تحت شمس حارقة من الاحتلال والطغيان، اختلاط في صهاريج الموت وقوارب الهجرة وقوافل النازحين تزيل ثرثرة الفصل والنأي عن الجثث المحترقة والهامات الذليلة.

ما الذي يعنيه مشاهدة مخيم لنازحين سوريين يحترق، تنقله كاميرات بشكل مباشر، بعد يوم من سحق مخيم آخر، غير احتراق اللغة والاستدارة السريعة للبحث عن جدران مرفوعة كي تقرع من جديد، لا جدران هنا يقرعها الرجال بعد دوي البراميل المتفجرة، وبعد الحرق بالفسفور والنابالم والخنق بالسارين لا تمييز فعلي بين جدار وطن يتفتت ويقسم وبين آخر اقتلع سكانه قبل سبع عقود سوى في احتراق اللغة وترميد المعاني.

رجال سوريون وفلسطينيون وعراقيون ويمنيون ومصريون، عرب كثيرون تحت الشمس، تُزور اللغة وتخونهم الثقافة والأخلاق والضمير، تتداعى القدرة على قرع الجدران، تصبح شاهقة سميكة وتفصح عن فضاحة ألم عميق ومأساوي لم يعد نادراً، طالما الأبصار مشدودة تارة لتردد المشاعر وجمودها وأخرى لا تزال تمجد نسل أبي الخيزران بوظيفته الجديدة، المنتقلة من سمسار إلى فران بشري لطوابير تنتظر حتفها.