جدتي الفيلسوفة

blogs- الجدة

لا تتأثر شخصية الإنسان بقدر ما تتأثر بأهله، فيرث عنهم الطباع وحركات الجسم وطريقة التفكير وربما الهواجس، وهم حاضنته التي يكبُر فيها ومنبع عاداته وتقاليده التي يفكر من خلالها. تعددت الشخصيات التي أورثتني وطبعت بداخلي حب مجالات ومعارف خاصة والتي كانت غالبًا بشكل غير مباشر، ووجدتني عند التفكير فيهم أتوقف عند "جدتي" لأمي -زاداها الله عمرًا وصحة- لذا أحببت أن أكتب لمحات عنها وعن حياتها المليئة بالقصص والعبر العظيمة في كلمات منثورة لا تكفيها أبدًا فضلها وتعبها لعقود طويلة، كونها ساهمت بهذا التعب في تكوين شخصيتي الحالية.

تفتحت أعين جدتي وهي طفلة صغيرة في إحدى محافظات مصر لأب ثري من أعيان منطقة ريفية يمتلك من الأراضي الزراعية الكثير بجانب امتلاكه آلتين لطحن الحبوب كانتا يعرفا باسم "بابور الطحين" وهو سبب في معرفة الوزن المالي لوالد جدتي لمن يعرف امتلاكه لهذه الآلات. مع مرور السنوات كبرت هذه الطفلة الصغيرة ولاقت أول مشكلة في حياتها وهي تعرض أباها لانتكاسات مالية اضطر على إثرها أن يبيع كل ممتلكاته تقريبًا، وأجبرت الظروف العائلة -عدا بعض الأفراد- على المغادرة والذهاب إلى القاهرة، لتبدأ مرحلة حياتية جديدة في بيئة غريبة مليئة بالصعاب أجبرتها على العمل في ظروف متباينة.

أثرت قصص الأنبياء عليها كثيرًا فسمت أخوالي بأسماء "إبراهيم" والآخر باسم سيدنا "سُليمان"، ودائمًا عندما أعطس أمامها تذكرني بقصة "سيدنا آدم" الذي "عطس أول ما ردت فيه الروح".

في القاهرة تعرفت جدتي بزوجات الباشاوات وخالطتهم، وتعلمت في فترة بسيطة اللغة الفرنسية وكانت تفضلها دائمًا على الإنجليزية. عندما يأخذنا الكلام عن تعلمها الحديث بالفرنسية تجيبني عن سبب من أسباب تعلمها لهذه اللغة: "الفرنساوي نطقه خفيف إنما الإنجليزي تقيل، أنا حبيت الفرنساوي عن الإنجليزي"، وعندما تستمع لخالي يتحدث بالإنجليزية مع عملاء يتعامل معهم خارج مصر تذكرني بموقف شاهدته في شارع من شوارع القاهرة في منطقة وسط البلد، والذي تجسد في امرأة تتحدث الفرنسية تتكلم مع عسكري لمحاولة الوصول لمحل "روزدي باك" -الذي تغير اسمه لاحقًا ليصبح عمر أفندي- والرجل لا يفقه شيئًا من حديثها، حتى تدخلت جدتي لتنقذ الرجل وتصف للسيدة المكان والتي بادرت بشكر جدتي بشكل وفرح كبيران وكأنها وجدت من انقذها في خِضم صحراء قاحلة.

"مات الملك يحيى الملك.. مات الملك يحيى الملك"، هذه الجملة التي ترددت كثيرًا على لسان المجموعات التي انطلقت في الشوارع بعد وفاة الملك "فؤاد الأول" وتولي ولي عهده الملك "فاروق" الحكم، وهي كلمات لم تفهم معناها جدتي حينها فمن هو الملك الذي مات والملك المطلوب أن يحيا؟! وكانت الإجابة موت الأب ليحل محله الابن الذي جلس على العرش وعمره ستة عشر عامًا.

تزوجت جدتي بجدي الذي كان يعمل في التشريفات الملكية ببلاط الملك فاروق، وكانت تحدثني عن تواضع هذا الملك الذي لم يكن يمانع أن يجلس عامة الشعب بالقرب منه على مائدة من موائد الطعام في فندق بمنطقة "راس البر" بمحافظة "دمياط" دون حراسة مشددة، حتى أنها جلست بالقرب من طاولته وكان يفصل بينها وبينه بضع أمتار فقط. تكررت رؤيتها للملك أكثر من مرة كان آخرهم عند خروجه من القصر لركوب يخته المعروف باسم "المحروسة" ليبحر به إلى منفاه الأخير في إيطاليا بعد قيام حركة ضباط 23 يوليو بإجباره على ذلك. تخبرني عن الواقعة وتقول: "القصر كانت محاوطاه الدبابات من كل مكان، ودخلوا على الراجل ستة الصبح وقالولوه ستة المغرب تكون ماشي" وأنه وهو يسير على الممشى في طريقه لركوب اليخت "كانت العساكر محاوطاه من الجنبين وضاربينله تعظيم سلام". هذه هي الكلمات التي دائمًا ما تصف لي بها ما حدث حينها مؤكدة دائمًا على أن الرجل لم تكن له قصص غرامية ولا ولع بالنساء ولا شرب للخمر مثلما كان يقال عنه فكل هذا الكلام : "كدب متصدقش حاجة من الحاجات دي".

آدم الذي عطس بمجرد أن رُدت إليه الروح
تولع جدتي بحب التاريخ وتستمتع بسماعه على الراديو أو مشاهدته على برامج تلفزيونية ودائمًا ما تردد: "التاريخ جميل بيعرفك إيه حصل في الدنيا قبل كدا". وبمناسبة الحديث عن الراديو فقد شهدت ظهوره أول مرة في مصر كما شهدت ظهور التلفزيون لأول مرة. تخبرني بالأمر وتقول: "الراديو نزل في مصر سنة تلاتين إنما التلفزيون سنة ستين، وقبل ما ينزل التلفزيون كانت الناس بيقولوا إنهم هينزلوا راديو تشوفوا الناس فيه، وكنت بستغرب إزاي هنشوف الناس في الراديو لحد ما نزل التلفزيون".

تتسم جدتي بالكرم الشديد وعدم حب مخالطة الناس، وهي تُعرف في المنطقة التي تسكن فيها بأنها تَكرِم بشكل كبير كل من يقدم إليها خدمة ما، لذا نجد في بعض الأحيان من يطرق الباب سائلًا عن "الحجة" التي تساعد الناس.

كنت أسمعها تحكي لي التاريخ من صغري خاصة تواريخ قصص الأنبياء التي كانت تسمعها دائمًا من الراديو على إذاعة القرآن الكريم، فهي مستمعة جيدة للإذاعة كل صباح لمدة لا تقل عن أربعة عقود أو ربما تزيد وهي التي شكلت معارفها الدينية كلها تقريبًا وعن طريقها حفظت سور من القرآن الكريم -رغم كونها لم تنل حظا من التعليم- ، وهي من مُعظّمات الدين وشعائره، ولربما وَرِثت منها حب التاريخ وحب الدين بشكل مباشر أو غير مباشر، ولها نوع من الأسئلة فلسفي عن كيف وجِد الله عز وجل وأن: "كل العلماء والمشايخ حاولوا يعرفوا ربنا ده جيه ازاي معرفوش أبدًا". أثرت قصص الأنبياء عليها كثيرًا فسمت أخوالي بأسماء "إبراهيم" والآخر باسم سيدنا "سُليمان"، ودائمًا عندما أعطس أمامها تذكرني بقصة "سيدنا آدم" الذي "عطس أول ما ردت فيه الروح"، وأن جبل عرفات في مكة عرف بهذا الاسم لأن: "آدم وحوا لما نزلوا من الجنة كان هوا ده المكان الي التقوا فيه ببعض عشان كدا سموه عرفات".

تحكي لي عن سفرها إلى مكة لأداء فريضة الحج في الثمانينيات من القرن العشرين، وأن سعر تذكرة الطائرة ذهابًا وإيابًا كان ثلاثمائة جنيه، وأن ثمن باب الكعبة كان: "أربعتاشر مليون ريال في زمن الرخص وأن باب الكعبة ده دهب"، وأنها كانت تستمتع بالنظر إلى الكعبة من أعلى في فندق يقرب من المكان.

تتسم جدتي بالكرم الشديد وعدم حب مخالطة الناس، وهي تُعرف في المنطقة التي تسكن فيها بأنها تَكرِم بشكل كبير كل من يقدم إليها خدمة ما، لذا نجد في بعض الأحيان من يطرق الباب سائلًا عن "الحجة" التي تساعد الناس. تقول دائمًا: "ربنا بيحب اللي بيدي وان ده اللي هيقعد للواحد لما يموت".

رزقها الله عمرًا وصحة كبيرة وأعاننا الله على برها ورزقنا وإياها حسن الخاتمة اللهم آمين.