توقفوا عن جعل الحمقى مشاهير

مدونات - موبايل

في لمحة سريعة عن مسار نقل المعلومات إلكترونياً والذي بدأ مطلع القرن الماضي وما قبل بقليل، استطاع الغرب ابتكار طرق عدة في نقل المعلومات بدء من إشارات مورس وانتهاء بالقبلة الإلكترونية التي ابتكرها أحد علماء اليابان مؤخراً.

مشروع نقل الأحاسيس دار أدمغة العلماء في تسعينيات القرن الماضي حينما أصبح التواصل الإلكتروني غير مقتصر على الاستخدام العسكري وتحول بنقلة نوعية نحو الاستخدام المدني، لكن مع تطور هذا الاستخدام اصطدم العلماء بمعضلة نقل الأحاسيس، بداية حل المعضلة كان باستخدام الرموز المعبرة عن الحالة، وقد قام بإعدادها علماء مختصين في النفس والبصريات والاجتماع والسلوكيات، كانت الخطوة التالية هي إنشاء محاكاه للواقع الاجتماعي وجعله مجتمع إلكتروني وهذا ما تم بالفعل عبر ابتكار مواقع التواصل الاجتماعي التي نقلت المجتمعات نحو مرحلة جديدة من العالم الافتراضي، تشبه من ناحية الأهمية النقلة النوعية لإشارات مورس لكن بجانب مدني.

بعد هذه المقدمة العلمية ينبغي التنويه إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي أن الغاية الأساسية كانت التحول لمجتمع افتراضي يحاكي الواقع ونقل المشاعر كانت -ولا تزال- غايته جعل التواصل يطابق الواقع قدر الإمكان، هناك فرق كبير بين نقل المشاعر والأحاسيس وبين مشاركتها، نحن كمجتمع عربي تابع بجدارة، غير منتج لأي تكنولوجيا، وجدنا الكثير من تلك التكنولوجيا مصدر ظهور وهذا شيء محمود، تلك المواقع منصات مجانية سهلة لإطلاق الأفكار وركوب المركب، فإن نركب خير من أن نسبح باتجاهه، لكن المعضلة هنا أن لا نميز بين نقل الأحاسيس ومشاركتها، عدم فهم الفارق بينهما أنتج شريحة ناشرين ومغردين حمقى بكل ما تعنيه الكلمة ووصل بعضهم للشهرة فعلاً فالموضوع بسيط، منصة إطلاق أفكار وناشر مغفل ومتابعين بلا أهداف.

الذات لا تكتمل دون الخصوصية والحفاظ على مساحة خاصة حتى على أقرب المقربين، ولا تتهذب النفس وتستقر بدون ذلك الحفاظ، انظر ما قاله ابن عطاء الله السكندري في أحد حكمه العطائية: "أدفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه".

بلد قدم مليون شهيد بزمن قياسي وثلثي البلد مدمر وأكبر حالة هجرة عبر التاريخ الحديث ونرى أحمق يحمل إسفنجة على كتفيه ويقود دراجة هوائية في أحد مدن أوروبا ويتكلم بلكنة ولغة جسد لا تمت للمتعة والفكاهة بصلة -لم أجد النكتة حتى الآن- ليلتف حوله جمهور الضاحكين المتابعين. مغرد آخر يغوي الغربيات ويصورهن عن بعد ليثبت لمجتمعه العربي أن الغربيات رخيصات حينما يعلمون "بخدعة منه" أنه مليونير. معتوه آخر لم يجد من المجتمع الغربي وما يمتلكه من وسائل الإبداع والتكنولوجيا إلا قضية المثلية ليتاجر بها، حرب ضروس بين أقطاب التغريد هذا على أتفه القضايا الشخصية ومن يجمع أكبر عدد من الحمقى اللامبالين ومن ينحط أكثر بمستوى منشوراته والقضايا التي يطرحها ثم تتحول الحرب إلى حرب مباشرة بينهم، تجعل المتابعين في حالة حيرة واستفسار ومفاضلة، هل كانت تلك الشرائح تعيش بيننا؟ هل نحن فعلاً نستحق ما يجري لنا حينما نرى الطرح اللامسؤول والأناني والتافه واللارجولي واللا أخلاقي؟

نعلم أن الفكاهة هي رسالة سامية وضرورة لا بد منها في خضم الأحداث المزرية، لكن الفكاهة بدون رسالة ومسؤولية ليست إلا ضرب من ضروب العبثية واللامبالاة والانحطاط وليتني أستطيع استخدام مصطلحات أشد قسوة. لم يكن ماكس لاندر وتشارلي شابلين و روان أتكينسون بدون رسالة، أضحكوا العالم لمائة عام ولا زالوا رغم وفاة اثنين منهما، من منا لم يشاهد الفيديو المصور لتشارلي وهو يحدث العالم عن رسالة السلام والحب والعدل ومحاربة الأنانية السياسية التي أودت بحياة الملايين بأحد اقذر الحروب والتي حتى الجرذان "القذرة" استخدمت فيها لقتل الأبرياء، أضخم شركات إنتاج المواد التدريبية الهادفة في التنمية البشرية والجودة وإدارة المشاريع تستخدم أفلام تشارلي لإيصال رسالة ما، إذن كانت تلك الأفلام والفكاهة هادفة وهذا ما أعطاها تلك الاستمرارية، أما أنت يا صديقي -والحديث هنا عن حالة تابعتها- متفرغ لنشر صورك وعيناك مُحولّة مادّاً لسانك لتضحك جمهور المتابعين وتنسيهم هم ومأساة بلدهم.

مخطئ جداً من يظن أن هذه الحالات هي حالات طبيعية، بتاتاً ليست كذلك، هي حالة مرضية نفسية ناتجة عن نقل المشاعر الداخلية الخاصة وإطلاق عنانها نحو الجمهور المجهول ونحو بيئة لا تصلح لتبقى تلك المشاعر سليمة فبيئتها هي الذات، وهذا هو محور سوء الفهم من مواقع التواصل، هب أنك تلاقي الأصدقاء يومياً لتحدثهم بكل ما تفكر فيه، ويتقبل أقرانك ذلك ستصل بعد فترة قصيرة إلى حالة مرضية من التخبط والغوغاء فالذات مكشوفة بالكامل والخصوصية محطمة، وكل شغلك الشاغل هو نقل الخاص إلى حيز العام، وهو ما يشكل خطورة على طريقة التفكير وفهم الذات وينتهي بجملة سلوك تخبطي عشوائي بين السلب والايجاب الحب والكره، الضمير الحي والأنانية، وهذا ما وصل إليه جل الحمقى المشهورين وهمياً.

الذات لا تكتمل دون الخصوصية والحفاظ على مساحة خاصة حتى على أقرب المقربين، ولا تتهذب النفس وتستقر بدون ذلك الحفاظ، انظر ما قاله ابن عطاء الله السكندري في أحد حكمه العطائية: "أدفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه" ويقصد منها وفق أغلب التفسيرات، أن تعتزل دورياً ولفترات بسيطة لتفتح المجال الواسع لذاتك لتنمو بعيداً عن المحيط، فشبه الذات بالبذرة التي لا تنتش ما لم تدفن في التراب.

بالله عليكم أين هي الخصوصية بالأساس؟ من يقف على بلكونة بيته المطلة على الحي ويتراقص نصف عاري هل يرفض رأي أهل الحي؟

حينما تصبح كل هواجسك متاحة للجمهور فماذا بقي لنفسك؟ هذا الفقد يورث الأعطاب النفسية والسلوكية، يتأرجح الشخص بين حب الظهور وجذب الأنظار مقابل طمس شخصيته وبين خصوصيته، فالشخصية الجديدة هي ما يرضاه الغير وما يجر أعداد أكبر من قطعان المتقبلين لهذا الخلل، والذي غالباً ما ينتهي بصاحبه بمرض الشهرة الوهمي أو السلوك المنحرف أو حتى الانتحار، وحدث ذلك فعلاً عند أحد الممثلين الأمريكيين الذي أضحك العالم لثلاث عقود وانتهى منتحراً بداء الكآبة، وكذلك ممثل عربي انتهى بمرض نفسي عضال ونادر قائم على حب الخلوة المفرط.

هؤلاء الحمقى المشاهير لم يصلوا لما هم عليه لولا وجود الشريحة المتقبلة لهذا النمط من الشهرة الزائفة، ومن أغبى الردود على نقد الظاهرة هو أن النشر يتم على صفحات شخصية وعلى حبل غسيله الخاص، بالله عليكم أين هي الخصوصية بالأساس؟ من يقف على بلكونة بيته المطلة على الحي ويتراقص نصف عاري هل يرفض رأي أهل الحي؟

لست أنا وغيري من ناقدي هذه الظاهرة نطلب أن يكون الناشر كأسامة بن زيد ليقود جيشاً وهو في ريع الشباب، وإنما المقصد الكلي أن يقف أمام ذاته ومرآته وأن يمثل ولو لمرة دور الجمهور ليرى موقعه الصحيح وليشعر ولو لوهلة بحالة اشمئزاز من هذه الظاهرة، كفوا عن دعمهم ولو بالتجاهل، فلو كانوا فينا ما زادونا إلا خبالا.