شعار قسم مدونات

الانهزامية بين الواقع والأدب

blogs - writer

سُنّة الله في الكون أن تقوم المجتمعات وتنهار، فلكل مجتمع عصر قوة وعصر انحطاط وضعف تحت تأثير العديد من الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية لهذا المجتمع أو ذاك. والمجتمع العربي وخلال قرون عديدة مرّ بحالات من هذه وتلك لا تخفى على أحد. وعلى فرض أن الدول استقلت بشكل وسطي وتقريبي في خمسينيات القرن الماضي. في وقت مقارب لإنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية سنة 1948.

كيف استطاع الكيان الصهيوني الترويج لنفسه خلال هذه الفترات ولم تستطع الدول العربية فعل ذلك من خلال مثقفيها ؟؟! ليأتي عدوان 1967 حيث عرّى الدول العربية من كل شيء. هذا الواقع قد أرخى بظلاله على الأديب بطريقة أو بأخرى حيث لا يمكن للمثقف أن يعيش بعيداً عن الخانة التي وضع العرب أنفسهم كلهم فيها أو المظلة التي استظل بها العرب جميعاً. حتى شعراء الغزل بدوا متأثرين بشكل كبير وراحوا يكتبون ويكتبون منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا. إلى أن صار ما يكتبونه واقعاً وفلسفة شاء له أحد ما أو جهة ما أن تصبح سمة وتميل أكثر فأكثر إلى تَقَبّل الواقع كما هو وحتى أبعد من ذلك.

صبحت مصطلحات الانهزام واقعاً ملموساً في الكثير من النصوص الأدبية وخاصة الشعر منها. وبالرغم مما حققته حربي الكرامة وأكتوبر (تشرين) مما يمكن تسميته نصراً نفسياً كحد أدنى إلا أن ثقافة الهزيمة وثقافة البكاء والندب أصبحت واقعاً يورثه جيل لجيل.

بعد هزيمة حزيران 67 وخلافاً لما تشهد المجتمعات جميعها ظهرت حالة غريبة في المجتمع الأديب حالة أرخت الوهم والخنوع، النعي والذل ومفردات مثيلات ذلك أصبحت واقعاً. كثرة هم الشعراء الذين روّجوا (بطريقة مقصودة أو غير مقصودة) لفكرة الخنوع والاستسلام أو القبول بالواقع كما هو (وهذا الذي يبحث عن الكيان الصهيوني منذ تأسيسه (القبول بحقيقة وجوده كدولة) مسألة تحويل كيان مسخ إلى دولة ليس بالأمر السهل في أي مكان أو بقعة في الأرض وقد يتطلب هذا قروناً وسيفشل بشكل أو بآخر. إلا أن روّجنا لثقافة معينة في محيطه، وهنا لا بد من أمرين :الكيان يروّج لمبدأ "الجيش الذي لا يقهر"، والأديبون العرب راحوا ينعون العروبة ويبكون على أطلال عمر وعلى سيف خالد بن الوليد وعلى أعتاب معاوية وهارون الرشيد.

والسؤال من أخذ ممن؟! الأديب من المجتمع أم المجتمع من الأديب؟!!
وهنا يبدو الأمر أكثر تعقيداً، حيث أننا لا نستطيع أن نميّز أو أن نفرق بين المجتمع والأديب على فرض أن الأديب كان يمشي في شوارع الأحياء الفقيرة وفي بيادر الأرياف ويستمع إلى الناس هناك ويخبرهم ويتأثر بهم ويؤثر بهم. ولم يكن الأديب يجلس في برج عاجي أو ما شابه. وهنا يصبح الطرح الوارد جداً هل كان المجتمع مهزوماً من الداخل، وأصبح منذ تلك الهزيمة يقتنع بوجود الكيان كدولة؟!! وإذا افترضنا الإجابة على السؤالين بكلمة واحدة (نعم) فأين دور الأديب في تجييش المجتمع وتحفيزه نحو التعبئة الفكرية ضد أي تفكير انهزامي وأي فكرة خنوع ورضوخ. وإذا آمنا بفكرة تواطئ بعض المسؤولين العرب مع الكيان فهل تواطأ الأديب أيضاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة (من خلال حكومة ما أو تحت تأثير ما) وروّج لفكرة الخنوع والانهزام.

كل هذا يقودنا إلى المرور سريعاً ببعض مما كتبه أدباء الأمة خلال خمسين عاماً من الهزيمة. فالشاعر نزار قباني يقول في قصيدة هوامش على دفتر النكسة:

يا وطني الحزين
حوّلتَني بلحظةٍ
من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين
لشاعرٍ يكتبُ بالسكين

لأنَّ ما نحسّهُ أكبرُ من أوراقنا
لا بدَّ أن نخجلَ من أشعارنا

إذا خسرنا الحربَ لا غرابة
لأننا ندخُلها..
بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابة
بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ
لأننا ندخلها..
بمنطقِ الطبلةِ والربابة

السرُّ في مأساتنا
صراخنا أضخمُ من أصواتنا
وسيفُنا أطولُ من قاماتنا

خلاصةُ القضيّة
توجزُ في عبارهْ
لقد لبسنا قشرةَ الحضارة
والروحُ جاهليّهْ…

بالنّايِ والمزمار..
لا يحدثُ انتصار

فهو يبدأ بأنه تحول من شاعر حب إلى شاعر يكتب بالسكين ولكن أخفق في هذا عندما أتبعها بحالة الذل، فالسكين تشير إلى القوة بالرغم من صغرها ولكن الخطابة والعنتريات وقشرة الحضارة ما هي في المصطلحات إلى لغة تروّج لحالة ذل وخنوع أكبر مما مضى. بينما يرسم الشاعر فاروق شوشة نصه "اعترافات العمر الخائب" بالحزن الرمادي والانكسار وبالأسى الفارغ وغير ذلك كل هذه المفردات عندما تبث في مجتمع هو في الأصل يعاني الهزيمة فإنها ستقتل أي أمل لديه وأي بادرة نور فيقول الشاعر:

عندما يجتاحنا الحزن الرمادي
ونقعي في زوايا القلب، مكسورين
نجتر الحكايات القديمة
الأسى الفارغ يستيقظ من بين الدهاليز
ويصحو وتر الشجو
الكتابات التي جفت على الأوراق
كانت ذات يوم صوتنا العالي
لفح الشوق
والرؤيا الحميمة!
خرجت منها وجوه، لفعتها دورة الأيام،
شاخت في كوى النسيان
تحكي وجه بومة!
في الجدار الأسود الشاخص، نرتدُّ
وفي قاع العيون الجوف، نهوي
نكتوي من لذعة الذكرى
ومن وحدتنا في ليلنا العاري،
ومن هول انسحاق القلب
من طعم الهزيمة.

"هذا هو الواقع" عبارة صحيحة ولا يشوبها شائب، ولكن أين من يحرك المجتمع باتجاه المستقبل الأجمل؟!! إذا بقي الكاتب ملتزماً بالريشة السوداء والحبر الأسود كيف له أن يقدم لنا لوحات بألوان الربيع.

والأمثلة كثيرة وكثيرة جداً في هذا وتطورت أكثر فأكثر، وأصبحت مصطلحات الانهزام واقعاً ملموساً في الكثير من النصوص الأدبية وخاصة الشعر منها. وبالرغم مما حققته حربي الكرامة وأكتوبر (تشرين) مما يمكن تسميته نصراً نفسياً كحد أدنى إلا أن ثقافة الهزيمة وثقافة البكاء والندب أصبحت واقعاً يورثه جيل لجيل. حتى أصبح الكاتب يحس أنه ربما من داخله مهزوم من الداخل ويروج لهذه الفكرة متكئين على مبدأ أن الإبداع يولد من رحم المعاناة ولا بد من بث الحزن والأسى في روح النص الأدبي قصيدة أو قصة أو رواية هذه الأفكار هي وحدها الجالبة للمتعة (حسب المفهوم العام).

ربما البعض يستغرب ولكن لو تابعنا وسمعنا وقرأنا ردود أفعل الناس على الكثير من نصوص مما نتحدث عنه نرى الردود في ملخصها العام (هذا هو الواقع، يتكلم بصدق)، في الحقيقة "هذا هو الواقع" عبارة صحيحة ولا يشوبها شائب، ولكن أين من يحرك المجتمع باتجاه المستقبل الأجمل؟!! إذا بقي الكاتب ملتزماً بالريشة السوداء والحبر الأسود كيف له أن يقدم لنا لوحات بألوان الربيع. من أين لنا أن نستشف ثورة من داخلنا. ثورة تجعلنا أكثر إيمانا بأنفسنا. كل هذا لم يعد يلاحظ، فتصوير السوداوية في المجتمع على أنه واقع دائم وأنه مادة دسمة للنص الأدبي هو ما يقود المجتمع نحو مزيد من الانهزامية.

في الجاهلية وفي العصور الإسلامية الأولى لم نلحظ شيئاً من هذا القبيل، كان الفخر بالمجتمع أمرٌ لا بد منه وهجاء الغريم والعدو أمرٌ قلّ نظيره. ولم نلحظ في أدبنا القديم كلمات ذل وهوان وأي لون من الانهزامية بالرغم من أن القبائل كانت تمر بحالات ضعف مثل يومنا ربما أشد سوءاً. فلماذا يروج أدباؤنا ثقافة الانهزام، لماذا نفتقر إلى نصوص توقد في أنفسنا شعلة العزيمة وتضرم نيران الأمل؟؟!!

و أخيراً: ما الذي يجعلك تكتب إن لم تكن تسعى بمجتمعك نحو الأفضل؟!!

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.