شعار قسم مدونات

في المنفى نتنفس ما تبقى من هواء الوطن

blogs لاجئ سوري

لا شيء نفعله سوى الانتظار. فهنا رضيع ينتظر ثدي والدة استلقت بجانب لعبة أخيه تحت سقف البيت، وهناك طفل ينتظر أب خلد إلى نومه الأبدي تحت الموج. وشاب ينتظر مركبا تائها يقله إلى أي مكان بعيداً عن هذا العبث، وآخر ينتظر من يرسم له دربا للنجاة.  وصبية تنتظر فارس أحلامها الغائب كغودو. جميعنا ننتظر فجراً يبدد هذا الليل الطويل المغطى بالدموع.

وهنا في المنفى البعيد، على حافة الأمل الملون بالسراب المخملي لا شيء نفعله سوى الانتظار. ننتظر معجزة تعيد عجلة الحياة فيما تبقى من جزيئات للعيش. ماذا فعلنا يا ترى وأي خطيئة تلك التي ارتكبناها حتى يحكم علينا هذا العالم بالانتظار المؤبد، وأي قانون فوضوي هذا الذي يحوي بين طياته عقوبة قاسية كهذه. لن يُقتل الأمل فينا، فما زلنا نلاحق خلال فترات الانتظار الطويلة أعين من اُجبروا حديثاً على ترك البلد علّنا نسترق منها لحظة مخبأة من لحظات الوطن.

لن يُقتل الأمل فينا فما زالت أخيلتنا تهيم بيومِ عودة بلا موعد، لنطبع القبلة الأولى على جبين التراب بعد كل هذا الغياب. لن يُقتل الأمل فينا فلا شيء يشغلنا في المنفى أكثر من استذكار لحظات البراءة، تشابك الأيدي بين أصدقاء الطفولة على طريق المدرسة، غبار الطباشير الملونة على أناملك الصغيرة، جرس نهاية الحصة الدراسية أو الدوام، البائع الجوال أمام باب الابتدائية، عيدية الجدة أول أيام الفطر أو الأضحى عقب زيارة المقبرة برفقة الكبار، أرجوحة العيد، غزل البنات، لعبة الغميضة والثياب الجديدة.

في المنفى لا يُقاس الوقت بالدقائق والثواني، إنما بالأشواق والحنين، فلا قيمة للزمان وعقارب الساعة، مادام قلبك ينبض باسم بلادك، ورئتاك تختزنان ما تبقى من هواء الوطن

ليس للمنفى حلم يلائم ليلنا، ولا لغة تشابه لغتنا ولا ذاكرة كتلك التي حملناها طوال هذا الدرب البعيد، فهنا حيث كل شيء يشبه اللاشيء فينا، حيث الطفولة الإلكترونية والشباب المؤتمت يتشابه الجميع بالبداية والنهاية. ليس للمنفى رائحة كرائحة التنور الحجري على جانب الطريق المؤدي إلى مربى الطفولة. وليس هناك ما يكفي من القهوة المرّة لحكايا الغولة والضباع على ألسنة عجائز الحي في مضافة المختار. ليس هناك شجرة معمرة تفيء بظلها عاشقين، ولا قمر يلهم شاعراً بقصيدةٍ لحبيبة أختار لها القدر شريكاً آخر، ولا سنابل ذهبية تزخرف ما كان ينتظرنا من حياة.

في المنفى نتلصص بين الفينة والأخرى فضائيات مزورة باسم البلد، ليس حبّاً بالدراما المبسترة ولا بالأخبار العبثية المؤدلجة، إنما استجابة لنداء قلوبنا المتعطشة للطواف في حارات وزواريب المدينة العتيقة بحثاً عن بائع تمر هندي بثيابه الدمشقية على مدخل سوق الحميدية، فليس في المنفى سوق يرصف التاريخ حجارته ولا بيوت قديمة تعشعش الأرواح في جدرانها. في المنفى لا يُقاس الوقت بالدقائق والثواني، إنما بالأشواق والحنين، فلا قيمة للزمان وعقارب الساعة، مادام قلبك ينبض باسم بلادك، ورئتاك تختزنان ما تبقى من هواء الوطن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.