كنت قبل أن أشرع في تقليب صفحاتها على ظن يقرب من اليقين بأنها ستكون عملا رائعا، وازداد إحساسي بهذا الشعور عندما رأيتها تتصدر اللائحة الطويلة لجائزة بوكر العربية لهذا العام، لم أستعجل وقتذاك في الحصول على نسخة، أو حتى محاولة الاطلاع على مضامينها وأحداثها، لأني صراحة كنت أرجئ ذلك لفترة الإجازة الصيفية، التي خصصتها هذا العام للاطلاع على أكبر عدد ممكن من النصوص الروائية، بمختلف أنواعها العربية منها والعالمية لذلك لم أكن أريد أن أفقد لذة استكشاف عوالمها الغامضة.
بعد انتهائي من بعض الأعمال التي كنت أوليها اهتماما بالغا، حان دورها، أستطيع أن أقول رغم أني قرأتها على فترات، إلا أنه لم يتسرب الى كوامن نفسي ذاك الشعور بالملل المعهود، الذي كان ينتابني كلما أمسكت كتاباً لأكثر من ثلاثة مرات، فسرعان ما أحس بضيق منه وأضعه، حتى وإن أرغمت نفسي على المضي فيه، فإنني لا أزيد عن مجرد سرد الكلمات وترتيل الحروف فقط، دون أن أعي ولو جملة واحدة من مضامينها، ومع هذه الرواية كنت كلما مضيت فيها أكثر إلا وأشعر بسعادة أكبر تنتابني ويطرب ذهني لذلك، وتنبعث في رغبة إكمال القراءة من جديد..
| لم يساهم شيء في تخلف هذا المجتمع مثل الاستبداد السياسي، والخرافة الدينية، لأن هذه الأخيرة تخدم الأول من خلال تطويع الشعوب وجعلهم يركعون تحت أوهام تصنعها لهم السلطة. |
الأعمى والعسكري، شخصان معطوبان ذاقا مرارة الحياة، جعلهما جويطي محورا السرد في روايته، على لسانهما كان يسترجع تاريخ المغاربة، لكن ليس ذاك التاريخ الذي نعرفه أو نقرأ عنه، بل التاريخ الأسود الذي أحيط بتعتيم متعمد من قبل اليد القابضة والمتحكمة في تاريخ المغاربة، هذه الرواية قد يصح القول فيها بأنها نبش في الجانب الصدئ من الذاكرة المنسية للمغاربة، يحاول جويطي من خلال متنه الروائي أن يكشف الستار عن تلك الفترات التي نسيناها أو تَناسيناها، والتي كان لها حظ أوفر في تشكيل واقعنا، ولذلك لا يمكن فهمه إلا من خلال النبش في ذاك التاريخ..
يسترجع بلغة ساخرة تاريخ السلاطين الذين مرو في المغرب، منذ أول سلطان، الى آخر الملوك الحسن الثاني، وبجانب ذكره لهؤلاء السلاطين يذكر التاريخ المشؤوم الذي رافق فترة حكمهم، وكيفية استغلالهم لهذا الشعب الأمي الجاهل، شعب ظل متشبثا بالخرافة الى القرن العشرين، يذكر جويطي متهكما على هذا الوضع "شعب هذا حاله كيف سيعرف النهضة"..
اكتشاف مقبرة جماعية، كانت هذه الحادثة من أهم فقرات الرواية، لكن الغريب أن هذه المقبرة ليست تحوي هياكل أجسام كاملة، بل هي تضم تحت ترابها كمًّا هائلا من الجماجم فقط، مما يؤكد أن هذه مذبحة ربما أبيد فيها قبيلة أو قبيلتان، وربما مدينة أو مدينتان، وبلغة السخرية يتعرض الكاتب لموقف السلطات من الحادث، وذلك أنها اكتفت بتسييج المكان ونقل الجماجم الى مستودع للدرك الملكي، ثم استدعاء خبيران لكنهما لا يحملان غير أدوات بدائية، كما أن أحدهما معتوه والآخر أعمى كذلك!..
الخيانة، جسد الكاتب فكرة الخيانة، من خلال العلاقة بين الأعمى ونديمه عند الباشا، السمسار حسن، إذ سيخون هذا الأخير صديقه، ويتزوج بمخطوبته بعدما سافر معه الى إحدى الجبال وأوهمه أنه خطبها له، لكنه بمجرد رجوعه للمدينة، حتى اغتنم فرصة اختلائه بها، فأخذها للبيت وتنكر لصاحبه، لكن هذا الأخير لن ينسى ذاك الحب الذي أصبح مثل حديقة مزهرة في قلبه، بعدما زُرعت بذورها خلال سماعه لصوتها وهي تغني، عندما كانت لا زالت خادمة في إحدى المنازل المجاورة لبيتهم، قبل أن يكتشف أمرها ويتم طردها، فظل يرابط على باب ذاك الخائن حتى وقعت تلك الحادثة المأساوية، حادثة لم يكن يتوقعها القارئ، ولن يفهم ذلك إلا بالرجوع الى بداية الرواية كما يقول أحد النقاد..
يقول كونديرا كل عمل روائي لا يكتشف شيئا جديدا في الوجود فهو عمل لا أخلاقي، انطلاقا من هذه المقولة قد نطرح سؤالا ما الشيء الجديد الذي اكتشفه جويطي، في روايته المغاربة؟ حقيقة هذه الرواية قد تتعدد قراءتها، ويختلف تفسير أحداثها وفك رموزها من ناقد لآخر، إنها رواية حمالة أوجه إن صح هذا التعبير، لكن هدف الكاتب كان واضحا، كما جاء أثناء المتن الروائي، لم يساهم شيء في تخلف هذا المجتمع مثل الاستبداد السياسي، والخرافة الدينية، لأن هذه الأخيرة تخدم الأول من خلال تطويع الشعوب وجعلهم يركعون تحت أوهام تصنعها لهم السلطة، ولذلك تحدث بلسان حاد عن هذا الوضع المأساوي للمغاربة، إذ في كل فقرات الرواية نجده لا يحيد عن هذان العنصران، رغم اختلاف الحكاية وتلاوين السرد..
نستطيع أن نؤكد الفكرة أعلاه، بأن الروائي، أكثر من الاقتباس التاريخي في موطنين فقط:
تاريخ السلاطين بالمغرب، إذ من خلال تصفح الرواية نجد أنه اعتمد على أكثر من مصدر، وتوثيق مقتطفات تشرح أو توضح أحوال السلاطين مع الرعية، وفي كل ذلك كان يروم جانب التهكم في الحكي، ومقصود الكاتب على ما يبدو كان واضحا، خاصة وأنه كان ممن عايش سنوات الرصاص المؤلمة، خلال الثمانينات، ولذلك ظل مطبوعا ذاك التاريخ المشؤوم في ذاكرته، كما أنه لم يبرح ذاكرة باقي المغاربة..
| عندما تقرأ هذه الرواية "المغاربة" لا تستطيع إلا أن تردد ما جاء على لسان الأعمى عند آخر جملة في المتن الروائي، عندما استحضر كلمة لهوراشيو وهو يقول:"إنه زمن الجنون الكبير والعمى الهائل ياصديقي!. |
تاريخ الأولاياء، تحت هذا العنوان يذكر ترهات وخرافات وبعض الأقوال أو الحكايا عن بعض الأولياء الذين مروا بالمغرب، وأكثر عند هذه النقطة من الاقتباس كذلك كما الأولى، ومن خلال ذلك كان الكاتب يريد أن يثير انتباهنا عن دور الخرافة في تشكيل الوعي الجماعي، وكيفية استغلال السلطة لذلك..
ما قيل غيض من فيض، وإلا فهذا العمل الذي حضي بمراجعات نقدية واسعة، كما أنه حاز على جائزة كتاب المغرب، لا يمكن تحليل وقائعه في هذه التدوينة المقتضبة، لكنها بمثابة اشارات لمن أراد الاطلاع على هذا العمل المميز، والذي يروم كشف الضماضات عن تلك الجروح التي ذاق المغاربة ويلاتها على مر العصور..
من الجميل في هذا العمل الروائي والذي قد لا نجده في غيره، أنه حتى تلك التفاصيل الصغيرة، هي ذات أهمية كبيرة، كما نجده تعرض للآثار التمدين، وكذلك التعرض لضحايا حرب الرمال التي تدور في الصحراء، كما تعرض كذلك لرصد مأساة ضحايا سنوات الرصاص، الذين قاسو مرارة العيش إبان تلك الفترة المضطربة..
عندما تقرأ هذه الرواية لا تستطيع إلا أن تردد ما جاء على لسان الأعمى عند آخر جملة في المتن الروائي، عندما استحضر كلمة لهوراشيو أحد الخبيرين اللذين أتيا لإجراء تقرير حول الجماجم وهو يقول:"إنه زمن الجنون الكبير والعمى الهائل ياصديقي!.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

